هو أوَّلُ مَن أسلم بدعوة أبي بكر الصِّدِّيق من العَشرة المُبَشَّرين بالجنة، فُتِحَت به أبواب الإسلام لكبار قريش. تَزوَّج ابنتي رسول الله ﷺ رُقيَّة ثم أمَّ كلثوم — فلُقِّب «ذو النُّورَين»، ولا يُعرفُ في تاريخ البشريَّة كلِّها أن رجلاً تَزوَّج ابنتَي نبيٍّ غيرَه. هاجر الهجرتَين إلى الحبشة ثم إلى المدينة، وجَهَّز جيشَ العسرة بثلاثمئة بعيرٍ بأقتابها وأحلاسها. هو سفيرُ النبي ﷺ إلى قريش يوم الحديبية، فلمَّا احتُبس عندهم وشاع خبرُ مقتله، بايَع النبيُّ ﷺ الصحابةَ تحت الشجرة على ألا يَفِرُّوا — وهذه بيعة الرضوان التي قال الله فيها: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. ثم خَلَفَ عمر فكان ثالثَ الخلفاء الراشدين، جَمَع المصحف الذي تَقرأ منه الأمَّة اليوم، وفَتَح المسلمون في عهده القَرنَ الأفريقي وقُبرص وأرمينيا. هو الحلقة الخامسة في رابطة الإيمان وأوَّلُ ثَمَرَة دعوة الصدِّيق.
قبل الدخول في موقعه من السيرة وفضائله، إليك أبرز معالم شخصيته رضي الله عنه في جدولٍ موجز:
| الاسم الكامل | عثمان بن عفَّان بن أبي العاص بن أُمَيَّة بن عبد شَمس بن عبد مَناف القرشي الأُمَوي. يَلتقي نسبه مع النبي ﷺ في الجدِّ الخامس عبد مَناف. وأُمُّه أَرْوى بنت كُريز، وجدَّتُه لأمِّه البَيضاء بنت عبد المطلب عمَّةُ النبي ﷺ. فهو ابنُ عمَّةِ النبي ﷺ من جهة الأمِّ. |
|---|---|
| الكنية والألقاب | أبو عبد الله وقيل أبو عمرو. ولُقِّب بـ«ذي النُّورَين» لأنه تزوَّج ابنتَي رسول الله ﷺ رقيَّة ثم أمِّ كلثوم رضي الله عنهما، ولم يَجمع بين بنتَي نبيٍّ غيرُه في تاريخ البشريَّة. ولُقِّب بـ«الحَيِيُّ»، وقال فيه النبي ﷺ: «ألا أَستحي من رجلٍ تَستحي منه ملائكةُ الرحمن؟». وفي عهد الخلافة عُرف بـ«المصحفُ نِسبتُه إليه» لأنه جَمَعه في ذلك المصحف الذي بأيدي الأمَّة اليوم. |
| الميلاد والنشأة | وُلد بمكة المكرمة بعد عام الفيل بنحو ست سنوات، فهو أصغر من النبي ﷺ بنحو ست سنين. نشأ في بيتٍ من أشراف قريش، فكان «تاجراً موسراً» من أغنى رجال قريش وأكرمهم. وكان جميل الطلعة، حَسَن الخُلُق، وَقُوراً مهيباً، يُحبُّه قومُه، ويُمَثِّل لهم وجهَ بني أُمَيَّة الكريم. |
| إسلامه | أسلم بدعوة أبي بكر الصدِّيق، وهو من الخمسة الذين أَسلموا بدعوته من العشرة المبشَّرين (مع الزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد، وطلحة). قال أبو بكر له: «ويحك يا عثمان، والله إنك لرجلٌ حصيف، ما يَخفى عليك الحقُّ من الباطل». ثم دعاه إلى الإسلام، فدخل في ساعةٍ، فكان من السابقين الأوائل الذين سَبَقوا قبل دخول النبي ﷺ دار الأرقم. |
| الزواج وآل البيت | تزوَّج السيدة رقيَّة بنت رسول الله ﷺ، فهاجرَ بها الهجرتَين. ولمَّا تُوفِّيت يوم بدر، زوَّجَه النبي ﷺ ابنتَه الأخرى السيدة أمَّ كلثوم — فقال ﷺ كلمته الشهيرة: «لو كان لي ثالثةٌ لزوَّجتُه إيَّاها». ولمَّا تُوفيت أمُّ كلثوم سنة 9 هـ قال النبي ﷺ: «والذي نفسي بيده لو كانت عندنا ثالثةٌ لزوَّجناكَها». ولذلك لُقِّب «ذا النُّورَين». كانت لها بنت اسمها أُمامة رُبِّيت في حِجره. |
| الهجرتان | هاجر إلى الحبشة الهجرتَين الأولى والثانية، ومعه السيدة رقيَّة، فكان أوَّل من هاجر بأهله في سبيل الله. فقال النبي ﷺ: «إنَّهما أوَّلُ من هاجر إلى الله بعد لُوطٍ». ثم هاجر إلى المدينة بعد الإذن العام بالهجرة، فقَدِم على النبي ﷺ. |
| إنفاقُه وجيشُ العسرة | كان من أعظم المُنفقين في سبيل الله. اشترى بئر رُومة من اليهودي وجعلَها وقفاً للمسلمين، وكان النبي ﷺ قد قال: «من يَشتري بئرَ رومة فيكون دلوُه فيها كدلاء المسلمين له بها مكانٌ في الجنة؟». ووسَّع المسجدَ النبوي من ماله. ثم جَهَّز جيشَ العسرة (تبوك) بـ ثلاثمئة بعير بأقتابها وأحلاسها، ودنانيرَ نَثَرها في حِجر النبي ﷺ، فقَلَّبها النبي ﷺ بيده وقال: «ما ضرَّ عثمان ما عَمِلَ بعد اليوم». |
| سفارةُ الحديبية وبيعة الرضوان | لمَّا منعت قريشٌ النبيَّ ﷺ من دخول مكة عام الحديبية، أراد النبي ﷺ أن يَبعث رسولاً يُعلمهم أنه جاء معتمراً لا محارباً. اعتذر عمرُ لخوفه من قريش، فقال له النبي ﷺ: «اذهب إلى عثمان فإنه أَعَزُّ بها مني». فبعثه النبي ﷺ، فاحتُبس عند قريش حتى شاع خبرُ مقتله، فدعا النبي ﷺ الناس فبايعهم تحت الشجرة على ألا يَفِرُّوا — هي بيعة الرضوان. ومدَّ النبي ﷺ يده الشمال وقال: «هذه يد عثمان» — فبايع له بنفسه! |
| أبرز ألقابه الشرعية | ثالث الخلفاء الراشدين — أحد العشرة المبشَّرين بالجنة — ذو النُّورَين — صاحبُ الهجرتَين — جامعُ المصحف — صاحبُ بيعة الرضوان — مُجَهِّزُ جيش العُسرة — صِهْرُ رسول الله ﷺ مرَّتين. |
| الخلافة وإنجازاتها | تَولَّى الخلافة بعد عمر بن الخطاب رضي الله عنه سنة 23 هـ، فحَكَم اثنتي عشرة سنة — أطولَ مدَّةٍ بين الخلفاء الراشدين. أبرز إنجازاته: جمعُ المصحف على لغة قريش وتوحيد القراءات، وفتحُ القَرن الأفريقي وقُبرص وأرمينيا، وبناءُ أوَّل أسطول بحري للمسلمين، وتوسعةُ المسجدَين الحرام والنبوي، وتدوين الديوان وتنظيم الإدارة. |
| الوفاة والشهادة | استُشهد رضي الله عنه في داره بالمدينة المنوَّرة في ذي الحجة سنة 35 هـ، يوم الجمعة، وعمرُه ثلاث وثمانون سنة. حاصره المتمرِّدون من مصر والكوفة والبصرة فذبحوه وهو صائم يَقرأ المصحف الذي جَمَعه بيده. سَقَطت قطرات دمِه على آية: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ ۚ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: 137]، فبَقِيت في المصحف العثماني الأصلي. ودُفن بـالبقيع. |
| موقعه في الدعاء | هو الحلقة الخامسة في رابطة الإيمان، وأوَّلُ ثَمَرَة دعوة أبي بكر الصدِّيق. يدخل في الدعاء مع الخلفاء الراشدين، ومع أصهار النبي ﷺ، ومع أهل بيعة الرضوان، ومع المُنفقين أموالَهم في تجهيز الجيوش، ومع حفظة القرآن وجامعيه. مَن دعا له فقد دعا لمن جَمَع السبق والصحبة والمصاهرة المضاعفة والإنفاق العظيم والخلافة والشهادة في رجلٍ واحد. |
عثمان بن عفان رضي الله عنه يَحتلُّ في تسلسل الإيمان موقعاً فريداً: فهو من السابقين الأولين ولكن من جيلٍ ثانٍ منهم — جيل من أَسلم بدعوة أبي بكر:
عثمان رضي الله عنه صاحبُ النبي ﷺ في كلِّ مراحل السيرة: شَهِد الدعوة السرية ودعا فيها، وثَبَت في الجهر، وهاجر الهجرتَين (الحبشة ثم المدينة)، وتغيَّب عن بدر لتمريض زوجته رقيَّة بأمر النبي ﷺ — فضرب له النبيُّ ﷺ بسهمه فيها وكأنه شَهِدها. وحَضَر أُحُداً والخندق وخيبر والحديبية والفتح وحنيناً وتبوك. ثم خَلَفَ عمر فكان ثالث الخلفاء الراشدين. فهو إذاً يدخل في الدعاء في كل مرحلة، لكن موضعه الأصلي هو الحلقة الخامسة في الدعوة السرية — أوَّل ثمرة دعوة أبي بكر.
حياة عثمان بن عفان مع النبي ﷺ امتدَّت من قبل البعثة إلى ما بعد وفاته ﷺ، ومرَّت بأربع محطات كبرى تُجلِّي وجوه فضله المتنوِّعة:
كانت السيدة رقيَّة بنت رسول الله ﷺ قد تَزوَّجت في الجاهلية من عُتبة بن أبي لَهَب، فلمَّا نَزَل قوله تعالى ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ أَمَرَ أبو لَهَبٍ ابنه أن يُطلِّقها كَيداً للنبي ﷺ. فعادت إلى أبيها قبل الدخول. ثم أسلم عثمان، فزوَّجها النبي ﷺ من عثمان، فأسلَمَتْ هي أيضاً. لمَّا اشتدَّ الأذى على المسلمين، هاجر عثمان الهجرة الأولى إلى الحبشة ومعه زوجه رقيَّة. ولمَّا عاد، اشتدَّ الأذى مرَّةً أخرى، فهاجر الهجرة الثانية.
ثم لمَّا أَذِن الله بالهجرة إلى المدينة، هاجر عثمان وزوجه. وفي السنة الثانية للهجرة، قبل بدر بأيام، مَرِضت رقيَّة، فأَمَره النبي ﷺ أن يَتَخَلَّف لتمريضها، وضرب له بسهمه وأجره في بدر. تُوفِّيت رقيَّة يوم بدر، فلمَّا عاد المسلمون منتصرين بُشِّر النبي ﷺ بالنصر وبفقد ابنته في يومٍ واحد. ثم لم يَمضِ سنواتٌ قليلة حتى زوَّجه ابنته الأخرى أمَّ كلثوم، فلُقِّب «ذا النُّورَين». ولمَّا تُوفيت أمُّ كلثوم سنة 9 هـ قال النبي ﷺ: «لو كان لي ثالثةٌ لزوَّجتُه إيَّاها».
في السنة التاسعة للهجرة، حين عَزَم النبي ﷺ على غزو الروم في تبوك، كانت الحال صعبةً جداً: شدَّةُ الحرِّ، وقِلَّةُ الزاد، وبُعدُ السفر. فسُمِّي ذلك الجيش «جيش العسرة». ندَب النبي ﷺ الناسَ إلى التبرُّع، فجاء عثمان بن عفان فأنفق إنفاقاً لم يُسبق إليه: قَدَّم ثلاثمئة بعيرٍ بأقتابها وأحلاسها، أي ببردعتها وحبالها وكلِّ ما يلزمها. ثم جاء بألف دينار من ذهب — قال ابن شهاب الزهري: «جاء عثمان بألف دينار في كُمِّه حين جَهَّز رسولُ الله ﷺ جيش العسرة، فنَثَرها في حِجْره».
وكانت لعثمان قبل ذلك اليد الكريمة في بئر رُومة ـ بئرٌ عذبة كانت ملكاً ليهودي يبيع منها للمسلمين بثمن ـ فقال النبي ﷺ: «مَن يَشتري بئر رومة فيكون دلوُه فيها كدلاء المسلمين له بها مكانٌ في الجنة؟». فاشتراها عثمان واحتسبها للمسلمين. ووسَّع المسجد النبوي من ماله. هذه ثلاث صفقاتٍ مع الله: بئر رومة، وتوسعة المسجد، وجيش العسرة. ولا يزال المسلمون إلى اليوم ينتفعون ببعض ذلك — وأجرُه يَجري في صحيفة عثمان.
في السنة السادسة للهجرة، خَرَج النبي ﷺ ومعه ألف وأربعمئة من الصحابة لأداء العمرة، فمنعتهم قريشٌ عند الحديبية. أَراد النبي ﷺ أن يُرسل رسولاً إلى قريش يُخبرهم أنه ما جاء حرباً. فدعا عمرَ بن الخطاب، فاعتذر عمر قائلاً: «يا رسول الله، إني أَخاف قريشاً على نفسي، وليس بمكة من بني عَدِيِّ بن كعب أحدٌ يَمنعني، وقد عَرَفَت قريشٌ عَداوتي إيَّاها وغِلظتي عليها — ولكني أَدُلُّك على رجلٍ أَعزَّ بها مني: عثمانَ بن عفان». فبعثه النبي ﷺ.
فذهب عثمان، فلَقِيَه أبانُ بنُ سعيد بن العاص — وهو من بني أُمَيَّة كذلك — فحماه وأدخله مكة. أبلغ عثمان قريشاً رسالة النبي ﷺ، فعَرَضوا عليه أن يَطوف بالبيت، فقال كلمةَ الوفاء العظيمة: «ما كنتُ لأَطُوف به حتى يَطُوفَ به رسولُ الله ﷺ». فاحتَبَسَتْه قريشٌ عندها، حتى شاع خبرُ مقتله في معسكر المسلمين. فقال النبي ﷺ: «لا نَبرحُ حتى نُناجزَ القوم»، ثم دعا الناس إلى البيعة، فبايعوه تحت الشجرة على ألا يَفِرُّوا — وهي بيعة الرضوان. ومدَّ النبي ﷺ يدَه الشِّمال وقال: «هذه يدُ عثمان»، فضرب بها على يَمينه. فبايع رسولُ الله ﷺ بنفسه عن عثمان — أيُّ شَرَفٍ بعد هذا؟
في عهد خلافته، اختلف الناس في القراءات حتى كاد الأمر يُفضي إلى فتنة. فجمع عثمان كبارَ الصحابة، وعلى رأسهم زيد بن ثابت كاتبُ الوحي، فأَمَرهم بأن يَنسخوا المصحف الإمام من الصُّحُف التي كانت عند حفصة بنت عمر (التي جَمَعها أبو بكر). فنَسَخوا منه نُسَخاً عدَّة وأَرسَلوها إلى الأمصار، وأَمَر بإحراق ما سواها من المصاحف الفرديَّة توحيداً للأمَّة على نصٍّ واحد. هذا هو المصحف الذي تَقرأ منه الأمَّة كلُّها اليوم — يُعرف بـ«المصحف العثماني».
ثم في آخر خلافته، تَجمَّع المتمرِّدون من مصر والكوفة والبصرة، وحاصَروا داره. وكان كثيرٌ من الصحابة يَعرضون عليه الدفاع، فيقول: «مَن كَفَّ يدَه فهو حُرٌّ» — لئلَّا يُسَفَك دمٌ بسببه. ثم اقتحم البَغاة الدار وهو صائمٌ يَقرأ في مصحفه — مُصحفِه الذي جَمَعه بيده! — فضربوه فأَطار قطرات دمه على المصحف، على آية: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ ۚ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. فاستُشهد رضي الله عنه يوم الجمعة في ذي الحجة سنة 35 هـ. وكانت زوجُه نائلة بنت الفرافِصة تَدفع عنه فقُطِعت أصابعها. هذه أعلى منزلة الشهادة: في بيته، صائماً، يَقرأ المصحف الذي جَمَعه.
حتى يفهم الداعي عَظَمَة موقع عثمان في رابطة الإيمان، ينبغي أن يستحضر هذه السلسلة المنطقية المتدرِّجة من سَبْقٍ في الإيمان إلى شهادةٍ على المصحف:
لدعاء الرابطة خمس فضائل. ولكلِّ فضيلةٍ منها تطبيقٌ ظاهر في حقِّ عثمان بن عفان رضي الله عنه:
هو أنموذجُ الوَلاية المُضاعَفة: صِهْرُ النبي ﷺ مرَّتين، ومُبايِعُ الرضوان، وثالثُ الخلفاء الراشدين. حين دعاه أبو بكر، استجاب فوراً، فصار أوَّل ثَمرة الدعوة بين الصحابة. مَن دعا له فقد دعا لمن جَسَّد المعنى الكامل لانتقال الإيمان من رجلٍ إلى رجل في رابطة محكمة.
دعاءُ الداعي لعثمان مستجابٌ لشرف منزلته، والملَك يَردُّه على الداعي بمثله — أي يَدعو له بأن يكون مَحلَّ حياء الملائكة، وأن يَنال شَرَفَ الإنفاق المضمون، وأن يَكون ممَّن يبايعهم رسولُ الله ﷺ بنفسه. وأيُّ ربحٍ أعظم من هذا؟
الدعاء له يفتح للداعي صحيفة المصحف العثماني الذي تَقرأ منه الأمَّة كلُّها — مليار ونصف مسلم! كلُّ آية يَقرأها أحدُهم اليوم في صلاة أو خَلوة، فإن في صحيفة عثمان منها أجراً. ويَفتح صحيفة جيش العسرة الذي فُتحت به الشام ومصر والقَرن الأفريقي. الدعاء له مفتاحٌ لأبواب أجرٍ يَتشعَّب في مليارات الحسنات.
عثمان معدنُ الإنفاق العالي: لم يَدخر مالاً للأهل بل بَذَلَه للأمَّة. ما تركه لأهله رصيداً، بل تركه للأمَّة وقفاً. وحين حُوصِر في داره ولم يُدافع عن نفسه لئلا يُسفك دم بسببه، علَّمنا سُمُوَّ النفس عن الانتقام. الدعاء له يَنقل إلى الداعي شيئاً من معدنه — فكِّر فيه وأنت تدعو، تَنبت في قلبك همَّةٌ كهمَّته في البَذل والصبر.
قال ابن القيم في «الروح»: «والخلق عيال الله، فأحبُّهم إليه أنفعُهم لعياله». وعثمان رضي الله عنه أعظمُ مَن خَدَم عيالَ الله بالقرآن: جَمَعَ المصحف الذي به تَهتدي الأمَّة إلى يوم القيامة. وحَفر بئر رومة فأَروى المسلمين، ووسَّع المسجد النبوي فأَفسح لهم في الصلاة. كلُّ مَن قرأ القرآن من عهد عثمان إلى اليوم، له فضل عثمان في صحيفته. الدعاء له وفاءٌ لجميلٍ سَبَق على أمَّةٍ كاملة في تاريخها.
شهادات النبي ﷺ في حقِّ عثمان بن عفان كثيرة، تدور حول أربعة محاور: حياؤه، إنفاقه، صبره على الفتنة، وبشارته بالشهادة. ومن أشهرها:
صعد النبي ﷺ يوماً جبل أُحُد ومعه أبو بكر وعمر وعثمان، فاهتزَّ الجبل تحتهم، فقال النبي ﷺ: «اثبُت أُحُدُ، فما عليك إلا نبيٌّ وصدِّيقٌ وشهيدان». وكان عمر وعثمان رضي الله عنهما هما الشَّهيدَين. وقال له النبي ﷺ في حديثٍ آخر صريحاً: «إنَّك ستَلقى بعدي بَلوى». فقال عثمان: «فما تأمرني يا رسول الله؟». قال: «تَصبر». فلمَّا حُوصِر في آخر خلافته صَبَر، وقُتل صائماً يَقرأ المصحف. هذا هو فقهُ النبوَّة في تربية أصحابه على البَلاء.
أوّلاً — عثمان بن عفان قُدوة الأغنياء الكُرَماء. حين تدعو له، استحضر أنه أنفق ثلاث مرات على مشاريع كبرى للأمَّة (بئر رومة، المسجد، جيش العسرة)، وأن النبي ﷺ ضَمِن له بسببها الجنة. ثم اسأل نفسك: كم استثماراً ضَمِن لك مالُك في الآخرة؟ ابدأ بقَدر يَدِك، فإن الله يُبارك في القليل.
ثانياً — الدعاء له بوّابة الدعاء لجامعي القرآن في كلِّ عصر: زيد بن ثابت كاتب الوحي، وأُبَيُّ بنُ كعب، وعبد الله بن مسعود، والحُفَّاظ والمُجَوِّدون والقُرَّاء جيلاً بعد جيل. كلَّما فتحتَ مصحفاً، فاذكر عثمان — هذا المصحف الذي بين يديك صنعة عثمان.
ثالثاً — اربط في وِجدانك بين عثمان وزوجَيْه السيدتَين رقيَّة وأمَّ كلثوم بنتَي رسول الله ﷺ. الأبُ في الغار، والابنتان في بيت ذي النُّورين. هذا هو البيتُ الذي اختاره النبيُّ ﷺ مرَّتَين لبناتِه — فاجعل في دعائك ذكراً للنُّورَين.
رابعاً — حين تَقرأ آية ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ ۚ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ في سورة البقرة، توقَّف وادعُ لعثمان — هذه هي الآية التي وَقَعَت عليها قطرات دمِه يوم الشهادة. والمصحف الأصلي الذي جَمَعه ما زال موجوداً في طشقند بأوزبكستان وفيه أثر دمه إلى اليوم. قراءةُ القرآن نفسُها تصير دعاءً متَّصلاً به.
خامساً وأهمها — اسأل الله أن يَجعلك من الذين يَستحي منهم ملائكة الرحمن، وأن يُرزقك حياءَ عثمان في الخلوة والجَلوة. الحياء من الله ومن خَلقه عَلامةُ الإيمان الصافي. ومَن لم يَستحِ ضاع. ادعُ لعثمان أن يَشفع لك يوم القيامة، وأن يُلحقك بأهل بيعة الرضوان الذين قال الله فيهم: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
تُربِّيك سيرة ذي النُّورَين عثمان بن عفان على أن الإيمان الكامل تَجَلٍّ في الحياء والكرم والوفاء: في حياءٍ يُلازم النفس في الخلوة، في كرمٍ يَتضاعف وقت الأزمة، في وفاءٍ لا يَستفيد من فُرصة محرومٍ منها الإخوان، في صبرٍ لا يَدفع البَغي بدمٍ آخر. عثمان نَموذج المؤمن الذي «يَستحي منه الملائكة» قبل أن يَستحي منه الناس. قبل أن تَسأل الله أن يَجعلك من الراضين عنه يوم بيعة الرضوان، اسأله أن يَرزقك الحياء الذي يَجعل الملائكة تُسَوِّي ثيابها لقدومك — فإنَّ الحياء كلَّه خير.