⌂ الرئيسية
⁕ المرحلة الأولى ⁕ السابقون الأولون ⁕ من أسلم بدعوة الصدِّيق ⁕
البطاقة الخامسة من رجال الدعوة المحمدية

عثمانُ بن عفَّان رضي الله عنه

⁕ ذو النُّورَين ⁕ الحَيِيُّ الذي تَستحي منه الملائكة ⁕ ثالثُ الخلفاء الراشدين ⁕

هو أوَّلُ مَن أسلم بدعوة أبي بكر الصِّدِّيق من العَشرة المُبَشَّرين بالجنة، فُتِحَت به أبواب الإسلام لكبار قريش. تَزوَّج ابنتي رسول الله ﷺ رُقيَّة ثم أمَّ كلثوم — فلُقِّب «ذو النُّورَين»، ولا يُعرفُ في تاريخ البشريَّة كلِّها أن رجلاً تَزوَّج ابنتَي نبيٍّ غيرَه. هاجر الهجرتَين إلى الحبشة ثم إلى المدينة، وجَهَّز جيشَ العسرة بثلاثمئة بعيرٍ بأقتابها وأحلاسها. هو سفيرُ النبي ﷺ إلى قريش يوم الحديبية، فلمَّا احتُبس عندهم وشاع خبرُ مقتله، بايَع النبيُّ ﷺ الصحابةَ تحت الشجرة على ألا يَفِرُّوا — وهذه بيعة الرضوان التي قال الله فيها: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. ثم خَلَفَ عمر فكان ثالثَ الخلفاء الراشدين، جَمَع المصحف الذي تَقرأ منه الأمَّة اليوم، وفَتَح المسلمون في عهده القَرنَ الأفريقي وقُبرص وأرمينيا. هو الحلقة الخامسة في رابطة الإيمان وأوَّلُ ثَمَرَة دعوة الصدِّيق.

١

البطاقة التعريفية

قبل الدخول في موقعه من السيرة وفضائله، إليك أبرز معالم شخصيته رضي الله عنه في جدولٍ موجز:

الاسم الكامل عثمان بن عفَّان بن أبي العاص بن أُمَيَّة بن عبد شَمس بن عبد مَناف القرشي الأُمَوي. يَلتقي نسبه مع النبي ﷺ في الجدِّ الخامس عبد مَناف. وأُمُّه أَرْوى بنت كُريز، وجدَّتُه لأمِّه البَيضاء بنت عبد المطلب عمَّةُ النبي ﷺ. فهو ابنُ عمَّةِ النبي ﷺ من جهة الأمِّ.
الكنية والألقاب أبو عبد الله وقيل أبو عمرو. ولُقِّب بـ«ذي النُّورَين» لأنه تزوَّج ابنتَي رسول الله ﷺ رقيَّة ثم أمِّ كلثوم رضي الله عنهما، ولم يَجمع بين بنتَي نبيٍّ غيرُه في تاريخ البشريَّة. ولُقِّب بـ«الحَيِيُّ»، وقال فيه النبي ﷺ: «ألا أَستحي من رجلٍ تَستحي منه ملائكةُ الرحمن؟». وفي عهد الخلافة عُرف بـ«المصحفُ نِسبتُه إليه» لأنه جَمَعه في ذلك المصحف الذي بأيدي الأمَّة اليوم.
الميلاد والنشأة وُلد بمكة المكرمة بعد عام الفيل بنحو ست سنوات، فهو أصغر من النبي ﷺ بنحو ست سنين. نشأ في بيتٍ من أشراف قريش، فكان «تاجراً موسراً» من أغنى رجال قريش وأكرمهم. وكان جميل الطلعة، حَسَن الخُلُق، وَقُوراً مهيباً، يُحبُّه قومُه، ويُمَثِّل لهم وجهَ بني أُمَيَّة الكريم.
إسلامه أسلم بدعوة أبي بكر الصدِّيق، وهو من الخمسة الذين أَسلموا بدعوته من العشرة المبشَّرين (مع الزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد، وطلحة). قال أبو بكر له: «ويحك يا عثمان، والله إنك لرجلٌ حصيف، ما يَخفى عليك الحقُّ من الباطل». ثم دعاه إلى الإسلام، فدخل في ساعةٍ، فكان من السابقين الأوائل الذين سَبَقوا قبل دخول النبي ﷺ دار الأرقم.
الزواج وآل البيت تزوَّج السيدة رقيَّة بنت رسول الله ﷺ، فهاجرَ بها الهجرتَين. ولمَّا تُوفِّيت يوم بدر، زوَّجَه النبي ﷺ ابنتَه الأخرى السيدة أمَّ كلثوم — فقال ﷺ كلمته الشهيرة: «لو كان لي ثالثةٌ لزوَّجتُه إيَّاها». ولمَّا تُوفيت أمُّ كلثوم سنة 9 هـ قال النبي ﷺ: «والذي نفسي بيده لو كانت عندنا ثالثةٌ لزوَّجناكَها». ولذلك لُقِّب «ذا النُّورَين». كانت لها بنت اسمها أُمامة رُبِّيت في حِجره.
الهجرتان هاجر إلى الحبشة الهجرتَين الأولى والثانية، ومعه السيدة رقيَّة، فكان أوَّل من هاجر بأهله في سبيل الله. فقال النبي ﷺ: «إنَّهما أوَّلُ من هاجر إلى الله بعد لُوطٍ». ثم هاجر إلى المدينة بعد الإذن العام بالهجرة، فقَدِم على النبي ﷺ.
إنفاقُه وجيشُ العسرة كان من أعظم المُنفقين في سبيل الله. اشترى بئر رُومة من اليهودي وجعلَها وقفاً للمسلمين، وكان النبي ﷺ قد قال: «من يَشتري بئرَ رومة فيكون دلوُه فيها كدلاء المسلمين له بها مكانٌ في الجنة؟». ووسَّع المسجدَ النبوي من ماله. ثم جَهَّز جيشَ العسرة (تبوك) بـ ثلاثمئة بعير بأقتابها وأحلاسها، ودنانيرَ نَثَرها في حِجر النبي ﷺ، فقَلَّبها النبي ﷺ بيده وقال: «ما ضرَّ عثمان ما عَمِلَ بعد اليوم».
سفارةُ الحديبية وبيعة الرضوان لمَّا منعت قريشٌ النبيَّ ﷺ من دخول مكة عام الحديبية، أراد النبي ﷺ أن يَبعث رسولاً يُعلمهم أنه جاء معتمراً لا محارباً. اعتذر عمرُ لخوفه من قريش، فقال له النبي ﷺ: «اذهب إلى عثمان فإنه أَعَزُّ بها مني». فبعثه النبي ﷺ، فاحتُبس عند قريش حتى شاع خبرُ مقتله، فدعا النبي ﷺ الناس فبايعهم تحت الشجرة على ألا يَفِرُّوا — هي بيعة الرضوان. ومدَّ النبي ﷺ يده الشمال وقال: «هذه يد عثمان» — فبايع له بنفسه!
أبرز ألقابه الشرعية ثالث الخلفاء الراشدينأحد العشرة المبشَّرين بالجنةذو النُّورَينصاحبُ الهجرتَينجامعُ المصحفصاحبُ بيعة الرضوانمُجَهِّزُ جيش العُسرةصِهْرُ رسول الله ﷺ مرَّتين.
الخلافة وإنجازاتها تَولَّى الخلافة بعد عمر بن الخطاب رضي الله عنه سنة 23 هـ، فحَكَم اثنتي عشرة سنة — أطولَ مدَّةٍ بين الخلفاء الراشدين. أبرز إنجازاته: جمعُ المصحف على لغة قريش وتوحيد القراءات، وفتحُ القَرن الأفريقي وقُبرص وأرمينيا، وبناءُ أوَّل أسطول بحري للمسلمين، وتوسعةُ المسجدَين الحرام والنبوي، وتدوين الديوان وتنظيم الإدارة.
الوفاة والشهادة استُشهد رضي الله عنه في داره بالمدينة المنوَّرة في ذي الحجة سنة 35 هـ، يوم الجمعة، وعمرُه ثلاث وثمانون سنة. حاصره المتمرِّدون من مصر والكوفة والبصرة فذبحوه وهو صائم يَقرأ المصحف الذي جَمَعه بيده. سَقَطت قطرات دمِه على آية: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ ۚ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: 137]، فبَقِيت في المصحف العثماني الأصلي. ودُفن بـالبقيع.
موقعه في الدعاء هو الحلقة الخامسة في رابطة الإيمان، وأوَّلُ ثَمَرَة دعوة أبي بكر الصدِّيق. يدخل في الدعاء مع الخلفاء الراشدين، ومع أصهار النبي ﷺ، ومع أهل بيعة الرضوان، ومع المُنفقين أموالَهم في تجهيز الجيوش، ومع حفظة القرآن وجامعيه. مَن دعا له فقد دعا لمن جَمَع السبق والصحبة والمصاهرة المضاعفة والإنفاق العظيم والخلافة والشهادة في رجلٍ واحد.
٢

موقعه في السيرة النبوية: متى يدخل في تسلسل الدعاء؟

عثمان بن عفان رضي الله عنه يَحتلُّ في تسلسل الإيمان موقعاً فريداً: فهو من السابقين الأولين ولكن من جيلٍ ثانٍ منهم — جيل من أَسلم بدعوة أبي بكر:

إذا كانت الحلقات الأربع الأولى أهلَ بيت النبوَّة وصاحبَه:
خديجة، وعلي، وزيد، وأبو بكر،
فإن عثمان هو أوَّل ثَمرَةٍ ظاهرة لدعوة أبي بكر — أوَّلُ ما دلَّ على أنَّ بَذرة الإسلام تُؤتي أُكُلها في الناس.
مع عثمان دخل الإسلامَ وجهٌ من وجوه قريش العَريقة (بنو أُمَيَّة)، فاتَّسعت الدعوة من بيت النبوَّة (هاشم) ومن تَيم (أبي بكر) إلى أُمَيَّة. وهذا التَّمَدُّد الاجتماعي كان مُهمَّاً جداً لإثبات أن الإسلام ليس دعوةً قبليَّة، بل دعوة كونيَّة تدخلها كلُّ القبائل.
⚑ موضعه في تسلسل السيرة النبوية

عثمان رضي الله عنه صاحبُ النبي ﷺ في كلِّ مراحل السيرة: شَهِد الدعوة السرية ودعا فيها، وثَبَت في الجهر، وهاجر الهجرتَين (الحبشة ثم المدينة)، وتغيَّب عن بدر لتمريض زوجته رقيَّة بأمر النبي ﷺ — فضرب له النبيُّ ﷺ بسهمه فيها وكأنه شَهِدها. وحَضَر أُحُداً والخندق وخيبر والحديبية والفتح وحنيناً وتبوك. ثم خَلَفَ عمر فكان ثالث الخلفاء الراشدين. فهو إذاً يدخل في الدعاء في كل مرحلة، لكن موضعه الأصلي هو الحلقة الخامسة في الدعوة السرية — أوَّل ثمرة دعوة أبي بكر.

٣

أبرز محطّاته مع رسول الله ﷺ

حياة عثمان بن عفان مع النبي ﷺ امتدَّت من قبل البعثة إلى ما بعد وفاته ﷺ، ومرَّت بأربع محطات كبرى تُجلِّي وجوه فضله المتنوِّعة:

⚑ المحطة الأولى — الزواج برقيَّة بنت رسول الله ﷺ والهجرتان

كانت السيدة رقيَّة بنت رسول الله ﷺ قد تَزوَّجت في الجاهلية من عُتبة بن أبي لَهَب، فلمَّا نَزَل قوله تعالى ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ أَمَرَ أبو لَهَبٍ ابنه أن يُطلِّقها كَيداً للنبي ﷺ. فعادت إلى أبيها قبل الدخول. ثم أسلم عثمان، فزوَّجها النبي ﷺ من عثمان، فأسلَمَتْ هي أيضاً. لمَّا اشتدَّ الأذى على المسلمين، هاجر عثمان الهجرة الأولى إلى الحبشة ومعه زوجه رقيَّة. ولمَّا عاد، اشتدَّ الأذى مرَّةً أخرى، فهاجر الهجرة الثانية.

قال النبي ﷺ: «إنَّهما أوَّلُ من هاجر إلى الله بعد لُوطٍ» — فهو وزوجُه أوَّلُ بيتٍ مسلم هاجر بأهله

ثم لمَّا أَذِن الله بالهجرة إلى المدينة، هاجر عثمان وزوجه. وفي السنة الثانية للهجرة، قبل بدر بأيام، مَرِضت رقيَّة، فأَمَره النبي ﷺ أن يَتَخَلَّف لتمريضها، وضرب له بسهمه وأجره في بدر. تُوفِّيت رقيَّة يوم بدر، فلمَّا عاد المسلمون منتصرين بُشِّر النبي ﷺ بالنصر وبفقد ابنته في يومٍ واحد. ثم لم يَمضِ سنواتٌ قليلة حتى زوَّجه ابنته الأخرى أمَّ كلثوم، فلُقِّب «ذا النُّورَين». ولمَّا تُوفيت أمُّ كلثوم سنة 9 هـ قال النبي ﷺ: «لو كان لي ثالثةٌ لزوَّجتُه إيَّاها».

⚑ المحطة الثانية — جيشُ العسرة: الإنفاقُ الذي ضمنَ الجنة

في السنة التاسعة للهجرة، حين عَزَم النبي ﷺ على غزو الروم في تبوك، كانت الحال صعبةً جداً: شدَّةُ الحرِّ، وقِلَّةُ الزاد، وبُعدُ السفر. فسُمِّي ذلك الجيش «جيش العسرة». ندَب النبي ﷺ الناسَ إلى التبرُّع، فجاء عثمان بن عفان فأنفق إنفاقاً لم يُسبق إليه: قَدَّم ثلاثمئة بعيرٍ بأقتابها وأحلاسها، أي ببردعتها وحبالها وكلِّ ما يلزمها. ثم جاء بألف دينار من ذهب — قال ابن شهاب الزهري: «جاء عثمان بألف دينار في كُمِّه حين جَهَّز رسولُ الله ﷺ جيش العسرة، فنَثَرها في حِجْره».

قال النبي ﷺ وهو يُقَلِّبها بيده الشريفة: «ما ضَرَّ عثمانَ ما عَمِلَ بعد اليوم» — كرَّرها مرَّتَين

وكانت لعثمان قبل ذلك اليد الكريمة في بئر رُومة ـ بئرٌ عذبة كانت ملكاً ليهودي يبيع منها للمسلمين بثمن ـ فقال النبي ﷺ: «مَن يَشتري بئر رومة فيكون دلوُه فيها كدلاء المسلمين له بها مكانٌ في الجنة؟». فاشتراها عثمان واحتسبها للمسلمين. ووسَّع المسجد النبوي من ماله. هذه ثلاث صفقاتٍ مع الله: بئر رومة، وتوسعة المسجد، وجيش العسرة. ولا يزال المسلمون إلى اليوم ينتفعون ببعض ذلك — وأجرُه يَجري في صحيفة عثمان.

⚑ المحطة الثالثة — سفارةُ الحديبية وبيعة الرضوان

في السنة السادسة للهجرة، خَرَج النبي ﷺ ومعه ألف وأربعمئة من الصحابة لأداء العمرة، فمنعتهم قريشٌ عند الحديبية. أَراد النبي ﷺ أن يُرسل رسولاً إلى قريش يُخبرهم أنه ما جاء حرباً. فدعا عمرَ بن الخطاب، فاعتذر عمر قائلاً: «يا رسول الله، إني أَخاف قريشاً على نفسي، وليس بمكة من بني عَدِيِّ بن كعب أحدٌ يَمنعني، وقد عَرَفَت قريشٌ عَداوتي إيَّاها وغِلظتي عليها — ولكني أَدُلُّك على رجلٍ أَعزَّ بها مني: عثمانَ بن عفان». فبعثه النبي ﷺ.

قال النبي ﷺ لعثمان: «اذهب إلى قريش فأخبرهم أنا لم نأت لقتال، وإنما جئنا عُمَّاراً، وادعهم إلى الإسلام»

فذهب عثمان، فلَقِيَه أبانُ بنُ سعيد بن العاص — وهو من بني أُمَيَّة كذلك — فحماه وأدخله مكة. أبلغ عثمان قريشاً رسالة النبي ﷺ، فعَرَضوا عليه أن يَطوف بالبيت، فقال كلمةَ الوفاء العظيمة: «ما كنتُ لأَطُوف به حتى يَطُوفَ به رسولُ الله ﷺ». فاحتَبَسَتْه قريشٌ عندها، حتى شاع خبرُ مقتله في معسكر المسلمين. فقال النبي ﷺ: «لا نَبرحُ حتى نُناجزَ القوم»، ثم دعا الناس إلى البيعة، فبايعوه تحت الشجرة على ألا يَفِرُّوا — وهي بيعة الرضوان. ومدَّ النبي ﷺ يدَه الشِّمال وقال: «هذه يدُ عثمان»، فضرب بها على يَمينه. فبايع رسولُ الله ﷺ بنفسه عن عثمان — أيُّ شَرَفٍ بعد هذا؟

⚑ المحطة الرابعة — جَمعُ المصحف والشهادة في المحراب

في عهد خلافته، اختلف الناس في القراءات حتى كاد الأمر يُفضي إلى فتنة. فجمع عثمان كبارَ الصحابة، وعلى رأسهم زيد بن ثابت كاتبُ الوحي، فأَمَرهم بأن يَنسخوا المصحف الإمام من الصُّحُف التي كانت عند حفصة بنت عمر (التي جَمَعها أبو بكر). فنَسَخوا منه نُسَخاً عدَّة وأَرسَلوها إلى الأمصار، وأَمَر بإحراق ما سواها من المصاحف الفرديَّة توحيداً للأمَّة على نصٍّ واحد. هذا هو المصحف الذي تَقرأ منه الأمَّة كلُّها اليوم — يُعرف بـ«المصحف العثماني».

كل آية في القرآن تَقرأها اليوم، فإن في صحيفة عثمان منها أجراً يَجري إلى يوم القيامة

ثم في آخر خلافته، تَجمَّع المتمرِّدون من مصر والكوفة والبصرة، وحاصَروا داره. وكان كثيرٌ من الصحابة يَعرضون عليه الدفاع، فيقول: «مَن كَفَّ يدَه فهو حُرٌّ» — لئلَّا يُسَفَك دمٌ بسببه. ثم اقتحم البَغاة الدار وهو صائمٌ يَقرأ في مصحفه — مُصحفِه الذي جَمَعه بيده! — فضربوه فأَطار قطرات دمه على المصحف، على آية: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ ۚ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. فاستُشهد رضي الله عنه يوم الجمعة في ذي الحجة سنة 35 هـ. وكانت زوجُه نائلة بنت الفرافِصة تَدفع عنه فقُطِعت أصابعها. هذه أعلى منزلة الشهادة: في بيته، صائماً، يَقرأ المصحف الذي جَمَعه.

⬥ شهادةُ النبي ﷺ في حياء عثمان ⬥
عن عائشة رضي الله عنها قالت:
كان رسولُ الله ﷺ مُضطجعاً في بيتي، كاشفاً عن فَخذيه أو ساقيه،
فاستأذنَ أبو بكر فأَذِنَ له وهو على تلك الحال،
فتحدَّث، ثم استأذنَ عمرُ فأَذِنَ له وهو على تلك الحال،
ثم استأذنَ عثمانُ فجلسَ النبيُّ ﷺ وسوَّى ثيابَه،
فدخل فتحدَّث، فلمَّا خرج قلتُ: يا رسول الله، دخل أبو بكر فلم تَهتش له ولم تَباله، ثم دخل عمر فلم تَهتش له ولم تَباله، ثم دخل عثمان فجلستَ وسَوَّيتَ ثيابك. فقال:
«ألا أَستحي من رجلٍ تَستحي منه ملائكةُ الرحمن؟»
رواه مسلم في صحيحه. وهذه شهادةٌ نبوية ليست لأحدٍ من الصحابة سواه: أن يَكون الحياءُ من ملائكة الرحمن طابعاً مُلازِماً لشخصه، حتى إن النبيَّ ﷺ يُعَدِّل من جلسته احتراماً لحيائه. الحياء ليس صفةً طارئة، بل هو هَيْئَة دائمة في النفس تُحيطها الملائكة بالاحترام.
٤

التسلسل المنطقي لسبق عثمان وفضله

حتى يفهم الداعي عَظَمَة موقع عثمان في رابطة الإيمان، ينبغي أن يستحضر هذه السلسلة المنطقية المتدرِّجة من سَبْقٍ في الإيمان إلى شهادةٍ على المصحف:

١
نقطة البداية: رجلٌ بالغٌ من سادة قريش، تاجرٌ موسر، جميل الطلعة، حَيِيٌّ، من بني أُمَيَّة — قبيلةٍ كانت من أَعدى أعداء النبي ﷺ. كل المؤشِّرات الاجتماعية كانت تَدفعه بعيداً عن الإسلام، لكن صدقَ القلب أَدخَله فيه.
٢
أوَّلُ ثمرة دعوة الصدِّيق: دعاه أبو بكر، فأسلم في ساعة. كان أَوَّل من أَسلم بدعوة أبي بكر من العشرة المبشَّرين. هذا أمر بالغ الأهمية: أبو بكر أسلم بدعوة النبي ﷺ، وعثمان أسلم بدعوة أبي بكر — هذه أَوَّل سلسلة التَّوريث الدَّعَوي في الإسلام.
٣
المصاهرة المضاعفة: تَزوَّج ابنتَي رسول الله ﷺ رقيَّة ثم أمَّ كلثوم. لم يَجمع رجلٌ بين بنتَي نبيٍّ في تاريخ البشرية كلِّها. ثم قال النبي ﷺ بعد وفاة الثانية: «لو كان لي ثالثةٌ لزوَّجتُه إيَّاها». هذا تَكريمٌ نبويٌّ لم يَنَلْه أحدٌ سواه.
٤
الإنفاقُ الذي يُغني عن الأعمال: أَنفق ماله ثلاث مرات في صَفَقاتٍ لا تُكَرَّر: بئر رومة، توسعة المسجد، جيش العسرة. حتى قال النبي ﷺ بيده على الذهب الذي نَثَره عثمان في حِجره: «ما ضَرَّ عثمانَ ما عَمِلَ بعد اليوم». أيُّ ضمانٍ نبويٍّ أعظم من هذا؟
٥
سفارةُ النبي ﷺ يوم الحديبية: لمَّا رفض عمرُ السفارة لخوفه على نفسه، دلَّ على عثمان لأنه «أَعَزُّ بها». ثم في غيابه، بايع النبي ﷺ الناس على الموت، ومدَّ يَدَه الشِّمال قائلاً: «هذه يدُ عثمان». فبايع رسولُ الله ﷺ نفسُه عن عثمان — وهذه منزلة لا تُدانى. ثم قال الله: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ — وأعظمُهم في الرضوان عثمان.
٦
الخلاصة: عثمان رضي الله عنه يَجمع ست سَبْقات: السَّبْق (أوَّلُ ثمرة دعوة الصدِّيق)، والهجرتَين (إلى الحبشة فالمدينة)، والمصاهرة المُضاعفة (ذو النورين)، والإنفاق الكبير (ما ضرَّه ما عمل بعدها)، والخلافة (ثالث الراشدين)، وجمع المصحف (الذي تَقرأه الأمَّة اليوم). ثم خُتِم له بـالشهادة على المصحف صائماً. مَن دعا له فقد دعا لمن جَمَع وَلاء الدم بالمصاهرة، ووَلاء الإيمان بالسبق، ووَلاء الدعوة بالخلافة، ووَلاء الإنفاق بالعطاء، ووَلاء الشهادة بالدم.
٥

لماذا نخصُّه بالدعاء؟

لدعاء الرابطة خمس فضائل. ولكلِّ فضيلةٍ منها تطبيقٌ ظاهر في حقِّ عثمان بن عفان رضي الله عنه:

⁕ الفضيلة الأولى ⁕

المشاركة الإيمانية والوَلاية في الله

المعنى: الدعاء بظهر الغيب يَربط الداعي بأهل السماء وأهل الأرض في رابطة وَلاية في الله، كما قال النبي ﷺ: «المسلم أخو المسلم».
⁕ التطبيق على عثمان

هو أنموذجُ الوَلاية المُضاعَفة: صِهْرُ النبي ﷺ مرَّتين، ومُبايِعُ الرضوان، وثالثُ الخلفاء الراشدين. حين دعاه أبو بكر، استجاب فوراً، فصار أوَّل ثَمرة الدعوة بين الصحابة. مَن دعا له فقد دعا لمن جَسَّد المعنى الكامل لانتقال الإيمان من رجلٍ إلى رجل في رابطة محكمة.

⁕ الفضيلة الثانية ⁕

إجابة الدعاء وردِّه على الداعي بمثله

المعنى: قول النبي ﷺ: «دعوة المرء المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة، عند رأسه ملَكٌ موكَّل، كلما دعا لأخيه بخيرٍ قال الملك: آمين، ولك بمثله».
⁕ التطبيق على عثمان

دعاءُ الداعي لعثمان مستجابٌ لشرف منزلته، والملَك يَردُّه على الداعي بمثله — أي يَدعو له بأن يكون مَحلَّ حياء الملائكة، وأن يَنال شَرَفَ الإنفاق المضمون، وأن يَكون ممَّن يبايعهم رسولُ الله ﷺ بنفسه. وأيُّ ربحٍ أعظم من هذا؟

⁕ الفضيلة الثالثة ⁕

الأجر الكثير بعدد المؤمنين

المعنى: ما رواه الطبراني بإسناد حسن: «من استغفر للمؤمنين والمؤمنات، كَتَبَ الله له بكلِّ مؤمنٍ ومؤمنةٍ حسنةً».
⁕ التطبيق على عثمان

الدعاء له يفتح للداعي صحيفة المصحف العثماني الذي تَقرأ منه الأمَّة كلُّها — مليار ونصف مسلم! كلُّ آية يَقرأها أحدُهم اليوم في صلاة أو خَلوة، فإن في صحيفة عثمان منها أجراً. ويَفتح صحيفة جيش العسرة الذي فُتحت به الشام ومصر والقَرن الأفريقي. الدعاء له مفتاحٌ لأبواب أجرٍ يَتشعَّب في مليارات الحسنات.

⁕ الفضيلة الرابعة ⁕

تهذيبُ النفس وعلوُّ الهمَّة

المعنى: قول الشعراني عن الخواص: «إذا وقع لأحدكم تقريبٌ في المواكب الإلهية فلا يَقتصر على الدعاء في حقِّ نفسه فيكون دنيءَ الهمَّة».
⁕ التطبيق على عثمان

عثمان معدنُ الإنفاق العالي: لم يَدخر مالاً للأهل بل بَذَلَه للأمَّة. ما تركه لأهله رصيداً، بل تركه للأمَّة وقفاً. وحين حُوصِر في داره ولم يُدافع عن نفسه لئلا يُسفك دم بسببه، علَّمنا سُمُوَّ النفس عن الانتقام. الدعاء له يَنقل إلى الداعي شيئاً من معدنه — فكِّر فيه وأنت تدعو، تَنبت في قلبك همَّةٌ كهمَّته في البَذل والصبر.

⚑ الفضيلة الخامسة — خدمةُ المسلمين والنصيحة لهم

قال ابن القيم في «الروح»: «والخلق عيال الله، فأحبُّهم إليه أنفعُهم لعياله». وعثمان رضي الله عنه أعظمُ مَن خَدَم عيالَ الله بالقرآن: جَمَعَ المصحف الذي به تَهتدي الأمَّة إلى يوم القيامة. وحَفر بئر رومة فأَروى المسلمين، ووسَّع المسجد النبوي فأَفسح لهم في الصلاة. كلُّ مَن قرأ القرآن من عهد عثمان إلى اليوم، له فضل عثمان في صحيفته. الدعاء له وفاءٌ لجميلٍ سَبَق على أمَّةٍ كاملة في تاريخها.

٦

أقوال النبي ﷺ في فضله — شهاداتٌ خالدة

شهادات النبي ﷺ في حقِّ عثمان بن عفان كثيرة، تدور حول أربعة محاور: حياؤه، إنفاقه، صبره على الفتنة، وبشارته بالشهادة. ومن أشهرها:

«ما ضرَّ عثمانَ ما عَمِلَ بعد اليوم»
— قالها مرَّتين بعد جيش العسرة —
— رواه أحمد والترمذي وحسَّنه الألباني —
«إن لكلِّ نبيٍّ رفيقاً في الجنَّة،
ورفيقي فيها عثمانُ بن عفان»
— رواه ابن ماجه والترمذي وحسَّنه الألباني —
«يا عثمان، إن وَلَّاك اللهُ هذا الأمر يوماً،
فأرادك المنافقون أن تَخلع قميصَك الذي قَمَّصكَ الله،
فلا تَخلَعْه»
— رواه أحمد والترمذي وصحَّحه — يَتعلَّق بمحنة الفتنة في آخر خلافته —
⚑ بشارةُ الشهادة على بَلوى

صعد النبي ﷺ يوماً جبل أُحُد ومعه أبو بكر وعمر وعثمان، فاهتزَّ الجبل تحتهم، فقال النبي ﷺ: «اثبُت أُحُدُ، فما عليك إلا نبيٌّ وصدِّيقٌ وشهيدان». وكان عمر وعثمان رضي الله عنهما هما الشَّهيدَين. وقال له النبي ﷺ في حديثٍ آخر صريحاً: «إنَّك ستَلقى بعدي بَلوى». فقال عثمان: «فما تأمرني يا رسول الله؟». قال: «تَصبر». فلمَّا حُوصِر في آخر خلافته صَبَر، وقُتل صائماً يَقرأ المصحف. هذا هو فقهُ النبوَّة في تربية أصحابه على البَلاء.

⬥ صيغةُ الدعاء المخصَّصة لذي النُّورَين عثمان بن عفان رضي الله عنه ⬥

اللهمَّ صَلِّ وسَلِّمْ على سيدنا محمدٍ وعلى آله وصحبه،
اللهمَّ ارْضَ عن ذي النُّورَين عثمانَ بن عفَّان،
أوَّلِ ثَمَرَة دعوة الصدِّيق، وصاحب الهجرتَين، وزوج ابنتَي نبيِّك،
اللهمَّ كما رَضِيتَ عنه يوم بيعة الرضوان فاجعلنا من الذين تَرضى عنهم،
اللهمَّ ارفع درجته في عِلِّيين مع الذين أَنعمتَ عليهم،
وارزقنا من حيائه ما يَستحي من أجله ملائكتُك،
اللهمَّ كما ضَمِنَ نبيُّك له «ما ضَرَّ عثمانَ ما عَمِلَ بعد اليوم»،
فاضمن لنا قبولَ القليل من إنفاقنا في سبيلك
،
وألحقنا بالخلفاء الراشدين الذين أمرتنا بسنَّتهم،
وبصِهارَيك من نبيِّك، وبجامعي مصاحفك ومُعَلِّمي كتابك
،
وصلِّ اللهمَّ على رقيَّة وأمِّ كلثوم بنتَي نبيك،
اللهم اجعل دعاءنا له سبباً يَفتح لنا أبواب الإنفاق المُبارك،
ويَصِلُنا بسلسلة جامعي كتابك في كل عصر،
واغفر لنا قطرات الدم التي وَقَعت على آية ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾
اللهم آمين.
⁕ يُستحبُّ أن يُرَدِّد الداعي هذه الصيغة في وقت السحر، بعد الفاتحة والاستغفار والصلاة على النبي ﷺ ⁕
⚑ تنبيهات تربوية للداعي

أوّلاً — عثمان بن عفان قُدوة الأغنياء الكُرَماء. حين تدعو له، استحضر أنه أنفق ثلاث مرات على مشاريع كبرى للأمَّة (بئر رومة، المسجد، جيش العسرة)، وأن النبي ﷺ ضَمِن له بسببها الجنة. ثم اسأل نفسك: كم استثماراً ضَمِن لك مالُك في الآخرة؟ ابدأ بقَدر يَدِك، فإن الله يُبارك في القليل.

ثانياً — الدعاء له بوّابة الدعاء لجامعي القرآن في كلِّ عصر: زيد بن ثابت كاتب الوحي، وأُبَيُّ بنُ كعب، وعبد الله بن مسعود، والحُفَّاظ والمُجَوِّدون والقُرَّاء جيلاً بعد جيل. كلَّما فتحتَ مصحفاً، فاذكر عثمان — هذا المصحف الذي بين يديك صنعة عثمان.

ثالثاً — اربط في وِجدانك بين عثمان وزوجَيْه السيدتَين رقيَّة وأمَّ كلثوم بنتَي رسول الله ﷺ. الأبُ في الغار، والابنتان في بيت ذي النُّورين. هذا هو البيتُ الذي اختاره النبيُّ ﷺ مرَّتَين لبناتِه — فاجعل في دعائك ذكراً للنُّورَين.

رابعاً — حين تَقرأ آية ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ ۚ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ في سورة البقرة، توقَّف وادعُ لعثمان — هذه هي الآية التي وَقَعَت عليها قطرات دمِه يوم الشهادة. والمصحف الأصلي الذي جَمَعه ما زال موجوداً في طشقند بأوزبكستان وفيه أثر دمه إلى اليوم. قراءةُ القرآن نفسُها تصير دعاءً متَّصلاً به.

خامساً وأهمها — اسأل الله أن يَجعلك من الذين يَستحي منهم ملائكة الرحمن، وأن يُرزقك حياءَ عثمان في الخلوة والجَلوة. الحياء من الله ومن خَلقه عَلامةُ الإيمان الصافي. ومَن لم يَستحِ ضاع. ادعُ لعثمان أن يَشفع لك يوم القيامة، وأن يُلحقك بأهل بيعة الرضوان الذين قال الله فيهم: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ﴾.

⁕ ذَوقٌ ⁕ أَدَبٌ ⁕ مُرُوءَة ⁕

❀ مَجمَعُ الذوق السليم والحسِّ المرهف ❀

كل سيرةٍ صدقت لله أنبتَتْ في صاحبها صفاتٍ نفسيةً عميقة تَتَجاوزُ الأخبار إلى التَّمثُّل اليومي. وها هي أبرز صفات الذوق السليم التي نَستخرجها من حياة ذي النُّورَين عثمان بن عفان رضي الله عنه لنُسائلَ بها قلوبَنا في الصباح والمساء.

الحياءُ هَيئَةً لا حِجاباً

المَأخَذ من السيرة: النبي ﷺ في بيت عائشة كان مضطجعاً كاشفاً عن ساقَيه، فدخل أبو بكر وعمر فلم يتحرَّك، فلمَّا استأذن عثمان «جلسَ النبيُّ ﷺ وسوَّى ثيابَه»، وقال: «ألا أَستحي من رجلٍ تَستحي منه ملائكةُ الرحمن؟».
الذوق السليم يُفرِّق بين الحياء بمعناه السلبي (تَجنُّب الفعل خوفاً من الناس) والحياء الإيجابي (هَيْئة دائمة في النفس تُلازم الإنسان حتى في خَلوته). عثمان كان حييَّاً في جلسته، في كلامه، في تَعامله — حتى تأثَّر النبيُّ ﷺ بحضوره. لا تَجعل حياءك للناس فقط، اجعله مع الله في الخلوة قبل الجلوة. الحياء الكامل أن تَستحي من نفسك أن تَفعل الدنيء ولو لم يَرَك أحد.

الإنفاقُ في المشاريع الكبرى

المَأخَذ من السيرة: ثلاث صفقاتٍ كبرى مع الله: بئر رومة (سُقيا المسلمين)، توسعة المسجد (مكان عبادتهم)، جيش العسرة (دفاع الأمَّة). كلُّها مشاريعٌ تَخدم الجماعة لا الأفراد.
الذوق السليم في الإنفاق يُفرِّق بين الصدقة على الفرد والاستثمار في الأمَّة. كثيرون يَتصدَّقون على فقير فيَسدُّ به ليلةً، وقليلون يَبنون مشروعاً يَخدم آلافاً لعشرات السنين. عثمان لم يُنفق ليُسكِت ضميره، بل ليَبني عُمراناً يَجري له أجره بعد موته. حين تُنفق، ابحث عن بئر رومة في زمنك: عملٌ يَخدم خَلق الله ويَجري أجره عقوداً. هذا هو ذوقُ الكُرَماء العارفين.

الوفاء حتى في الفُرَص العابرة

المَأخَذ من السيرة: يوم الحديبية، عَرَضت قريشٌ على عثمان أن يَطوف بالبيت — وهو معه في مكة وحده، لا يَعلم به أصحابه. فقال: «ما كنتُ لأَطوف به حتى يَطُوفَ به رسولُ الله ﷺ». لم يَستفد من فُرصة كان يَستطيع أن يَكتمها.
الذوق السليم لا يَستفيد من الفُرَص التي يُحرَم منها الجماعة، حتى لو كانت في مَتناوله ولن يَعلم بها أحد. كثيرٌ من الناس إذا انفرد في موقع، استمتعَ بمزاياه دون أصحابه. عثمان رفض الطواف لأن النبيَّ ﷺ والمسلمين كلَّهم محرومون منه. ذوق الجماعة أن تَجعل نفسك آخر مَن يَستفيد، لا أَوَّل من يَنتفع. هذه هي الأمانة على المنصب والفرصة.

الكرم في الخلوة وفي الأزمة

المَأخَذ من السيرة: جاء بألف دينار في كُمِّه ونَثَرها في حِجر النبي ﷺ، وهذا في وقت «العُسرة» الشديدة. وحين كانت قَوافله تَأتي من الشام يَوزِّعها على المسلمين بلا شراء.
الذوق السليم في الكرم أن تَزيد في زمن الشِّدَّة لا أن تَنقص. كثيرٌ من الأغنياء يُحسنون في الرَّخاء، فإذا جاءت الأزمة قَبَضوا أيديَهم. عثمان أَنفق في «العسرة» ما لم يُنفقه غيرُه في «اليُسر». الكريم الحقيقي يَزيد عطاؤه كلَّما زادت حاجة الناس، لأنه يَعلم أن الله مع المُكْثِرين في الأَزَمات. وكان يُنفق في صمتٍ ووَقار لا يَطلب شُكراً ولا ثناء.

الصبر على البَغي دون رَدٍّ

المَأخَذ من السيرة: حين حُوصِر في داره، عَرَض عليه الصحابة الكبار أن يَدفعوا عنه بالسيوف. فكان يَأمرهم بالكَفِّ، ويقول: «مَن كَفَّ يدَه فهو حُرٌّ» — لئلَّا يُسفك دمٌ بسببه. ولم يَدافع عن نفسه حتى ضربوه وهو يَقرأ المصحف صائماً.
الذوق السليم يَعرف الفرق بين الدفاع المشروع والانتقام. كان عثمان قادراً على دفع البَغاة ولكنه رأى أن في ذلك سَفك دماء كبيرة. آثر دمه الواحد على دماء الجماعة. هذا أعلى مراتب الإيثار: أن تَفدي الأمَّة بنفسك في موقفٍ كان يُمكِنك أن تَنجوَ منه. المؤمن لا يُسفك دمٌ بسببه، حتى لو دفع ثمن ذلك حياتَه. هذا هو الذوق المحمدي في الفتنة.

الوفاءُ بالأمانة على القميص

المَأخَذ من السيرة: قال له النبي ﷺ: «يا عثمان، إن وَلَّاك الله هذا الأمر يوماً، فأرادك المنافقون أن تَخلع قميصَك الذي قَمَّصك الله، فلا تَخلَعْه». فلمَّا حاصره البَغاة وطَلبوا منه التَّنازل عن الخلافة، رفض، وقال: «لا أَخلع قميصاً قَمَّصنيه الله».
الذوق السليم لا يَتنازل عن الأمانة المُحمَّلة شَرعاً ولو كان في ذلك ثَمنٌ غالٍ. كثيرٌ من الناس إذا ضَغَطت عليهم الفتن، تَخَلُّوا عن مواقعهم بحجة «تَخفيف الضرر» — وهم يَتَخَلَّون عن الأمانة. عثمان فَهِم أن خَلع القميص ليس راحةً شخصية بل خِيانة للأمَّة. ادفع ثَمن الأمانة، ولا تُسلِّم منصبك للظلَمة بحجَّة طلب السلامة. الأمانة تُسَلَّم للموت لا للضغط.
⬥ الخلاصة ⬥

تُربِّيك سيرة ذي النُّورَين عثمان بن عفان على أن الإيمان الكامل تَجَلٍّ في الحياء والكرم والوفاء: في حياءٍ يُلازم النفس في الخلوة، في كرمٍ يَتضاعف وقت الأزمة، في وفاءٍ لا يَستفيد من فُرصة محرومٍ منها الإخوان، في صبرٍ لا يَدفع البَغي بدمٍ آخر. عثمان نَموذج المؤمن الذي «يَستحي منه الملائكة» قبل أن يَستحي منه الناس. قبل أن تَسأل الله أن يَجعلك من الراضين عنه يوم بيعة الرضوان، اسأله أن يَرزقك الحياء الذي يَجعل الملائكة تُسَوِّي ثيابها لقدومك — فإنَّ الحياء كلَّه خير.