⌂ الرئيسية
⁕ المرحلة الأولى ⁕ الدعوة السرية ⁕ السابقون الأولون ⁕
البطاقة الثانية من رجال الدعوة المحمدية

الإمام علي بن أبي طالب كرَّم الله وجهه

⁕ أبو الحسن ⁕ أبو تراب ⁕ بابُ مدينةِ العلم ⁕

هو أوّلُ ذَكَرٍ آمن بالنبي ﷺ وصلَّى معه، وهو يومئذٍ ابنُ عشر سنين. ربَّاه رسول الله ﷺ في حِجْره منذ صباه، فكان الصبيَّ النابتَ في بيت النبوَّة، خرج من حجر النبي إلى ميدان الدعوة دون أن يَسجدَ لصنمٍ قطُّ — ولذلك قيل عنه: كرَّم الله وجهه. هو زوج البتول، وأبو الحَسَنين، وحامل الراية يوم خيبر، والذي بات على فراش رسول الله ﷺ ليلة الهجرة فدى نفسه به. وهو الحلقة الثانية في رابطة الإيمان بعد أمِّ المؤمنين خديجة رضي الله عنها.

١

البطاقة التعريفية

قبل الدخول في موقعه من السيرة وفضائله، إليك أبرز معالم شخصيته رضي الله عنه في جدولٍ موجز:

الاسم الكامل عليُّ بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم القرشي الهاشمي. وأبو طالب اسمه عبد مناف، عمُّ النبي ﷺ وكافله، وأخو والده عبد الله لأبٍ وأم.
الكنية والألقاب أبو الحسن — وكنَّاه النبي ﷺ «أبا تراب» (وكان أحبَّ ألقابه إليه)، ولُقِّب بـ«المرتضى»، و«حيدرة»، و«بابُ مدينة العلم». ويُقال له «كرَّم الله وجهه» لأنه لم يَسجد لصنمٍ قطُّ، إذ ربَّاه النبي ﷺ منذ صباه.
الميلاد والنشأة وُلد بمكة المكرمة قبل البعثة بنحو عشر سنين، في جوف الكعبة على ما رواه بعض المؤرخين. ولما أصابت قريشاً أزمةٌ شديدة، أَخَذَه النبي ﷺ من عمه أبي طالب — تخفيفاً عنه لكثرة عياله — فربَّاه في بيته، فكان في حِجْر رسول الله ﷺ قبل الإسلام.
السبق في الإيمان قال ابن إسحاق: «ثم كان أوّلَ ذَكَرٍ من الناس آمن برسول الله ﷺ، وصلَّى معه، وصدَّق بما جاءه من الله تعالى: عليُّ بنُ أبي طالب، وهو يومئذٍ ابنُ عشر سنين». فهو أوّلُ ذَكَرٍ آمن على الإطلاق، بعد أمِّ المؤمنين خديجة وقبل زيد بن حارثة وأبي بكر الصديق.
الزواج وآل البيت تزوَّج السيدة فاطمة الزهراء بنت رسول الله ﷺ، فكان زوجَ سيِّدة نساء العالمين، وأبو سِبطَي رسول الله ﷺ الحَسَن والحُسين، اللذين هما سيِّدا شباب أهل الجنة. وبهذا الزواج المبارك انعقد نَسبُ آل البيت كلِّه.
أبرز ألقابه الشرعية رابعُ الخلفاء الراشدينأحدُ العشرة المبشَّرين بالجنةأمير المؤمنينإمامُ المتقينزوج البتولأبو السِّبطَينأخو رسول الله ﷺ بالمؤاخاة.
الوفاة استُشهد رضي الله عنه بالكوفة في رمضان سنة 40 هـ، ضربه عبد الرحمن بن مُلْجَم الخارجيُّ بالسيف وهو خارجٌ إلى صلاة الفجر، فعاش ثلاثة أيام ثم لَحِق بالرفيق الأعلى، وعمره يومئذٍ ثلاث وستون سنة — على عمر النبي ﷺ والشيخين أبي بكر وعمر. ودُفن بالكوفة على المشهور.
موقعه في الدعاء هو الحلقة الثانية في رابطة الإيمان بعد السيدة خديجة، يدخل في الدعاء مع السابقين الأولين، ومع آل بيت النبي ﷺ، ومع الخلفاء الراشدين. مَن دعا له فقد دعا لمن جمع بين سَبْق الإيمان، وقرابة الدم والمصاهرة، والخلافة الراشدة، فاستجمع وجوه الفضل التي قلَّ أن تجتمع لأحدٍ غيره.
٢

موقعه في السيرة النبوية: متى يدخل في تسلسل الدعاء؟

حين نُرتِّب رجال الدعوة على ترتيب السيرة، فإنَّ الإمام علياً رضي الله عنه يأتي في الموضع الثاني مباشرةً بعد السيدة خديجة، فهو الذَّكَرُ الأوَّل في رابطة الإيمان:

إن كانت السيدة خديجةُ هي الحلقةَ الأولى في الإيمان،
فإنَّ الإمام عليّاً هو الحلقةُ الثانية مباشرةً —
أوّلُ ذَكَرٍ ركع وسجد مع رسول الله ﷺ.
وما بين هاتين الحلقتين قَدْرٌ ومنزلة: فبيت الإيمان كلِّه يومذاك ثلاثة أرواح: النبي ﷺ، وزوجُه خديجة، وابنُ عمِّه عليٌّ. هذا البيت الصغير هو الذي حَمَل أمانةَ السماء كلَّها، ومنه فاضت الدعوة على الكون.
⚑ موضعه في تسلسل السيرة النبوية

كان الإمام علي حاضراً مع رسول الله ﷺ في كلِّ مراحل السيرة بلا استثناء: من الحِجْر النبوي قبل البعثة (تربَّى في كنفه)، إلى المبعث والدعوة السرية (أوّل ذَكَرٍ صلَّى)، إلى الجهر بالدعوة (شهد بيعة الدار يوم الإنذار)، إلى الهجرة (نام في الفراش)، إلى الجهاد كلِّه (بدر وأُحد والخندق وخيبر والفتح وحنين)، إلى إمارة الحج (أبلَّغ سورة براءة عن النبي ﷺ)، ثم الخلافة الراشدة. فالدعاء له لا يُرتَّب في مرحلةٍ واحدة فقط، بل هو صحيفةٌ تجمع كلَّ المراحل.

٣

أبرز محطّاته مع رسول الله ﷺ

حياة الإمام علي مع النبي ﷺ بحرٌ لا ساحلَ له. إليك خمساً من أعظم محطّاته، كلُّ محطَّةٍ منها تُجَلِّي وجهاً من وجوه عظيم سَبْقه وفضله:

⚑ المحطة الأولى — قبل البعثة: تربَّى في حِجْر النبي ﷺ

روى ابن إسحاق رحمه الله أن قريشاً أصابتها أزمةٌ شديدة، فقال رسول الله ﷺ لعمَّيه العباس وحمزة: «إن أبا طالب كثيرُ العيال، وقد أصاب الناسَ ما ترون من هذه الأزمة، فانطلِقوا بنا إليه فلنُخفِّفْ عنه من عياله، آخذُ من بنيه رجلاً، وتأخذان رجلاً». فأخذ العباسُ طالباً، وأخذ حمزةُ جعفراً، وأخذ النبي ﷺ عليّاً. فبَقي عليٌّ في حِجْره ﷺ يأكل من طعامه ويتربَّى على خُلقه.

فكان النبي ﷺ هو معلِّمه الأوّل قبل أن يكون رسولَه

ولذلك حين جاءه الأمر بالإيمان، لم يحتج علي إلى مشاورةٍ ولا تردُّد، لأنه لم يعرف أحداً غير النبي ﷺ يُهَذِّبه. قال علي: «ربَّاني رسول الله ﷺ وأنا فطيمٌ، فلم أُشرك بالله طرفة عينٍ قط، ولم أعبد وثناً قط». ولذلك يُلقَّب بـ«كرَّم الله وجهه» — لأن وجهَه لم يخضع لصنم.

⚑ المحطة الثانية — لحظة المبعث: أوّل ذَكَرٍ صلَّى مع النبي ﷺ

لمَّا نزل الوحي على النبي ﷺ، آمنت به السيدة خديجة، ثم آمن به عليٌّ في يومه أو في غدِه. روى أصحاب السنن أن النبي ﷺ كان يصلِّي مع خديجة بشِعب مكة، فمرَّ بهم عليٌّ — وهو غلامٌ في حِجْره — فقال: «ما هذا يا عمّ؟»، فدعاه النبي ﷺ إلى الإسلام، فقال علي: «حتى أستأمر أبا طالب»، فقال له ﷺ: «إن لم تُسلم فاكتُم». فبات عليٌّ ليلتَه، ثم ألقى الله في قلبه الإسلام، فجاء من الغد فقال: «ماذا عَرَضت عليّ يا محمد؟»، فعرض عليه الإسلام، فأسلم.

قال ابن إسحاق: «وهو يومئذٍ ابنُ عشر سنين»

فأدرك الإسلامَ في سِنِّ الفطرة الصافية، قبل أن تتلوَّث نفسُه بشيءٍ من الجاهلية. وكان يصلِّي مع النبي ﷺ في الشِّعب وأبو طالب يطَّلع عليهما، فلا يَدري ماذا يصنعان، حتى عرف، فقال لابنه: «يا بُنَيَّ، الزَمْه فإنه لا يَدعوك إلا إلى خيرٍ». وهذه شهادةٌ من أبي طالب وإن لم يُسلم.

⚑ المحطة الثالثة — يوم الإنذار: «أنا يا رسول الله»

لمَّا نزل قوله تعالى: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾، صنع النبي ﷺ طعاماً ودعا بني عبد المطلب — وكانوا قريباً من الأربعين رجلاً — وفيهم أعمامُه. فلمَّا فرغوا من الطعام، خَطَب فيهم وعَرَض عليهم الإيمان، وقال: «مَن يَنصرني على هذا الأمر، ويكون أخي ووصيِّي وخليفتي فيكم؟». فأَحْجَم القومُ كلُّهم، وقام عليٌّ وهو غلامٌ صغير، فقال:

«أنا يا رسول الله، أنا أكون وزيرَك عليه»

فأخذ النبي ﷺ برقبته وقال: «إنَّ هذا أخي ووصيِّي وخليفتي فيكم، فاسمعوا له وأطيعوا». ضحك القومُ ساخرين من شَأن الغلام، لكنَّ هذه اللحظة كانت إعلانَ عليٍّ نفسَه قائداً ثانياً للدعوة بعد رسولها. وهو حينئذٍ ابنُ ثلاث عشرة سنة.

⚑ المحطة الرابعة — ليلةُ الهجرة: نام في الفراش فداءً للنبي ﷺ

لمَّا أجمعت قريشٌ في دار الندوة على قتل النبي ﷺ، اتَّفقوا أن يأخذوا من كلِّ قبيلةٍ شاباً، فيضربوه ضربة رجلٍ واحد، حتى يتفرَّق دمه في القبائل ولا يستطيع بنو هاشم القصاص. فأخبر جبريل النبيَّ ﷺ بما أجمعوا عليه، فقال لعليٍّ: «نَمْ على فراشي وتسجَّ ببُردي الحضرمي الأخضر، فلن يخلُص إليك منهم شيءٌ تكرهه». فنام عليٌّ على فراش النبي ﷺ في تلك الليلة، والمشركون يَرصدون البيت من خارجه يَنظرون إلى الفراش يَحسبونه النبي ﷺ.

في تلك الليلة نزل قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾

فبَذَل علي نفسَه فداءً للنبي ﷺ في أخطر ليلةٍ في تاريخ الإسلام. ولولا اللهُ ثم تضحيتُه، لما أمكنت الهجرةُ ولا قامت دولة الإسلام. وبَقِي بعدُ في مكة ثلاثاً يردُّ الودائع التي كانت عند النبي ﷺ إلى أهلها — لأن النبي ﷺ كان أمين قريش حتى للمشركين منهم — ثم لَحِق بالنبي ﷺ في المدينة سَيراً على قدميه.

⚑ المحطة الخامسة — يوم خيبر: راية الفتح

لمَّا أتعبت حصونُ خيبر المسلمين، قال رسول الله ﷺ في المساء: «لأُعطِيَنَّ الرايةَ غداً رجلاً يُحبُّ الله ورسوله، ويُحبُّه الله ورسوله، يفتح الله على يديه، ليس بفرَّارٍ». فبات الناسُ ليلتَهم يَدوكون أيُّهم يُعطاها. فلمَّا أصبحوا، قال النبي ﷺ: «أين علي؟». قالوا: يشتكي عينَيه. فأُتِيَ به، فبصق النبي ﷺ في عينيه ودعا له، فبرئ كأنْ لم يكن به وَجَع، وأعطاه الراية، ففتح الله على يديه حصن خيبر، وقتل بطلَهم مَرحَباً.

قال عمر بن الخطاب: «ما أحببتُ الإمارةَ إلا يومئذٍ» (متفق عليه)

فاجتمع لعليٍّ في هذه الكلمة النبوية أربع شهادات: محبَّةُ الله، ومحبَّةُ رسوله، والفتح على يديه، والثبات لا الفرار. ولم يُعطِ النبي ﷺ هذه الشهادة لأحدٍ بمجموعها قط. وهذه المحطَّة تختصر كلَّ سيرته الجهادية.

⬥ حديث المنزلة — أعظم شهادة نبوية لعليّ ⬥
عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال:
قال رسول الله ﷺ لعلي حين خلَّفه على المدينة في غزوة تبوك:
«أَمَا تَرضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى،
إلا أنه لا نبيَّ بعدي؟»
متفق عليه — رواه البخاري ومسلم.
المعنى: هارون كان أخا موسى ووزيرَه وخليفتَه على بني إسرائيل حين ذهب إلى ميقات ربِّه. فالنبي ﷺ شَبَّه منزلة عليٍّ منه بمنزلة هارون من موسى، إلا في النبوة فإنها خاتَمة بمحمد ﷺ. وهذه شهادةٌ بـالأخوَّة، والوزارة، والخلافة، وحُسن المعونة.
٤

التسلسل المنطقي لسبق الإمام علي وفضله

حتى يفهم الداعي عَظَمَة موقع الإمام علي في رابطة الإيمان، ينبغي أن يستحضر هذه السلسلة المنطقية المتدرِّجة من سَبْق الصبا إلى إمامة الراشدين:

١
نقطة البداية: طفلٌ في العاشرة من عمره، يعيش في حِجْر النبي ﷺ منذ صباه، يَتأدَّب بأدبه ويرى من شمائله ما لم يَرَه غيره. هذا التكوين الفريد لم يَنَلْه أحدٌ من الصحابة سواه.
٢
سَبْقُ الإيمان: لما نزل الوحي، آمن وصلَّى مع النبي ﷺ وهو ابن عشر سنين، فكان أوَّل ذَكَرٍ آمن به على الإطلاق، وأوَّل صبيٍّ في الإسلام. ولم يَسبقه إلى ذلك إلا أمُّ المؤمنين خديجة رضي الله عنها.
٣
الفداء بالنفس: لما هاجر النبي ﷺ، اختاره من بين كل الصحابة ليبيت على فراشه ويُعرِّض نفسه للسيوف. فكان أوَّل فدائيٍّ في الإسلام، وأوَّلَ من شَرَى نفسه لله. هذا اختبارٌ لم يَجُزه إلا هو.
٤
المصاهرة الكبرى: زوَّجه النبي ﷺ ابنته فاطمة الزهراء سيِّدة نساء أهل الجنة. ورُزِق منها بـالحسن والحسين سيِّدَي شباب أهل الجنة. فكان صِهْر النبي ﷺ، وأبا ذُرِّيَّته الباقية، إذ من فاطمة وحدها استمرَّ نسل النبوة.
٥
البطولة الجهادية: شهد كلَّ المشاهد مع النبي ﷺ إلا تبوك (إذ استخلفه على المدينة)، وحَمَلَ الراية يوم خيبر فجاءته الشهادة النبوية الكبرى: «يحبُّ الله ورسوله ويُحبُّه الله ورسوله». ثم كان قاضيَ الأمَّة في عهد الخلفاء الراشدين.
٦
الخلاصة: الإمام علي رضي الله عنه يَجمع في شخصه أربع وَلايات: ولاية السبق في الإيمان، وولاية القرابة الدمويَّة (ابن عم النبي ﷺ)، وولاية المصاهرة (زوج فاطمة)، وولاية الخلافة الراشدة. ولا يَجتمع هذا لأحدٍ من الأمَّة سواه. مَن دعا له، فقد دعا لـأربع وَلايات في رجلٍ واحد.
٥

لماذا نخصُّه بالدعاء؟

لدعاء الرابطة خمس فضائل . ولكلِّ فضيلةٍ منها تطبيقٌ ظاهر في حقِّ الإمام علي رضي الله عنه:

⁕ الفضيلة الأولى ⁕

المشاركة الإيمانية والوَلاية في الله

المعنى: الدعاء بظهر الغيب يربط الداعي بأهل السماء وأهل الأرض في رابطة وَلايةٍ في الله — كما قال النبي ﷺ: «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله».
⁕ التطبيق على الإمام علي

هو أعظم وَلاية بالنسب وبالإيمان معاً: ابنُ عمِّ النبي ﷺ من جهة الدم، وأخوه بالمؤاخاة الأولى يوم آخى النبي ﷺ بين أصحابه قبل الهجرة، وزوجُ ابنته فاطمة. فالولاية فيه مُضاعَفة، ولذلك كلُّ مسلمٍ يحملُ في قلبه محبَّةً خاصة لعليٍّ، لأنها امتدادٌ طبيعيٌّ لمحبَّة النبي ﷺ.

⁕ الفضيلة الثانية ⁕

إجابة الدعاء وردِّه على الداعي بمثله

المعنى: قول النبي ﷺ: «دعوة المرء المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة، عند رأسه ملَكٌ موكَّل، كلما دعا لأخيه بخيرٍ قال الملَكُ: آمين، ولك بمثله».
⁕ التطبيق على الإمام علي

دعاءُ الداعي للإمام علي مستجابٌ لشرف منزلته، والملَكُ يردُّه عليه بمثله — أي يدعو له بأن يحبَّه الله ورسوله، وأن يكون من أهل السبق في الإيمان، ومن أهل الفداء في سبيل الله. وأيُّ ربحٍ أعظم من هذا؟

⁕ الفضيلة الثالثة ⁕

الأجر الكثير بعدد المؤمنين

المعنى: ما رواه الطبراني بإسناد حسن: «من استغفر للمؤمنين والمؤمنات، كَتَبَ الله له بكلِّ مؤمنٍ ومؤمنةٍ حسنةً».
⁕ التطبيق على الإمام علي

الدعاء له يفتح للداعي صحيفة أوَّل ذَكَرٍ آمن، وصحيفة آل البيت كلِّهم، وصحيفة الخلفاء الراشدين. فالدعاء له مفتاحٌ لثلاث صُحُفٍ عظيمة في صحيفةٍ واحدة.

⁕ الفضيلة الرابعة ⁕

تهذيبُ النفس وعلوُّ الهمَّة

المعنى: قول الشعراني عن الخوّاص: «إذا وقع لأحدكم تقريبٌ في المواكب الإلهية فلا يقتصر على الدعاء في حقِّ نفسه فيكون دنيءَ الهمَّة، وإنما يجعل معظم الدعاء لإخوانه».
⁕ التطبيق على الإمام علي

الإمام علي كان معدنَ علوِّ الهمَّة في الإسلام: الفتى الذي يَفدي بنفسه، والقاضي الزاهد الذي يبيع سيفه ليُطعم أهلَه، والإمام الذي قُتل وراتبُه من بيت المال أربعةُ دراهم. الدعاء له يَنقُل إلى الداعي شيئاً من معدنه — فكِّر فيه وأنت تدعو، تَنبُتْ في قلبك همَّةٌ كهمَّته.

⚑ الفضيلة الخامسة — خدمةُ المسلمين والنصيحة لهم

قال ابن القيم في «الروح»: «والخلق عيال الله، فأحبُّهم إليه أنفعُهم لعياله». والإمام علي رضي الله عنه نَفَع عيال الله بكل ما عنده: علَّمهم الدين، وقاضى بينهم، وحَمى الإسلام بسيفه يوم خيبر، ورَوَى عن النبي ﷺ مئاتِ الأحاديث، وفُتح القرآنُ على لسانه تفسيراً وتأويلاً. الدعاء له وفاءٌ لجميلٍ سَبَقَ على كلِّ مسلمٍ في تاريخ الأمَّة.

٦

أقوال النبي ﷺ في فضله — شهاداتٌ خالدة

ما من صحابيٍّ ورد في حقِّه من الأحاديث الصحيحة في الفضائل ما ورد في حقِّ الإمام علي رضي الله عنه، حتى قال الإمام أحمد بن حنبل: «ما جاء لأحدٍ من أصحاب رسول الله ﷺ من الفضائل ما جاء لعليٍّ». ومن أشهرها:

«مَن كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه،
اللهمَّ والِ مَن والاه، وعادِ مَن عاداه»
— حديث الغدير، رواه أحمد والترمذي وصحَّحه الألباني —
«إن الله أمرني بحبِّ أربعةٍ وأخبرني
أنه يحبُّهم: عليٌّ منهم،
وأبو ذرٍّ، والمقدادُ، وسلمانُ»
— رواه الترمذي وابن ماجه، وصحَّحه الألباني —
«لا يُحبُّك إلا مؤمن،
ولا يُبغضك إلا منافق»
— رواه مسلم في صحيحه عن علي رضي الله عنه —
⚑ شهادةُ النبي ﷺ يوم المؤاخاة

لما آخى النبي ﷺ بين أصحابه في المدينة، آخى بين كل اثنين، فجاء عليٌّ تَدمَع عيناه ولم يُؤاخِ بينه وبين أحد، فقال: «يا رسول الله، آخيتَ بين أصحابك ولم تؤاخِ بيني وبين أحد». فقال له النبي ﷺ: «أنتَ أخي في الدنيا والآخرة». فاستأثر الإمام علي بـأخوَّة النبي ﷺ نفسه دون سائر الصحابة. وهذا شرفٌ لا يُدرَك.

⬥ صيغةُ الدعاء المخصَّصة للإمام علي بن أبي طالب كرَّم الله وجهه ⬥

اللهمَّ صَلِّ وسَلِّمْ على سيدنا محمدٍ وعلى آله وصحبه،
اللهمَّ ارْضَ عن أمير المؤمنين الإمامِ عليِّ بنِ أبي طالب،
أوَّلِ مَن آمن من الذكور، وفدى نبيَّك بنفسه ليلة الهجرة،
اللهمَّ اجزِه عن نبيك وعن أمَّته خيرَ ما جازيتَ إماماً عن أمَّةٍ،
وارفع درجتَه في عِلِّيين مع النبيين والصدِّيقين والشهداء والصالحين،
اللهمَّ كما أحببتَه وأحببتَ مَن أحبَّه، اجعلنا ممن يُحبُّك بحبِّه،
وارزقنا من علومه ومن همَّته في خدمة دينك ما يربطنا برابطة الإيمان،
وألحقنا بآل بيته الطاهرين، وبخلفائك الراشدين الذين هو رابعُهم،
وصلِّ اللهمَّ على فاطمةَ الزهراءِ زوجِه، وعلى الحسنِ والحسينِ سِبطَيْ نبيك،
واجعل دعاءنا له سبباً يصِلُنا بسلسلة آل البيت إلى يوم الدين،
اللهم آمين.
⁕ يُستحبُّ أن يُرَدِّد الداعي هذه الصيغة في وقت السحر، بعد الفاتحة والاستغفار والصلاة على النبي ﷺ ⁕
⚑ تنبيهات تربوية للداعي

أوّلاً — الإمام علي رضي الله عنه قُدوة الفتيان والشباب في كل عصر. حين تدعو له، استحضر الصبيَّ ذا العشر سنين الذي صلَّى أوَّلَ صلاةٍ في الإسلام، ثم ادعُ لـكلِّ شابٍّ مسلمٍ في زماننا أن يكون له نصيبٌ من سَبْقه وفطرته.

ثانياً — الدعاء له بوّابة الدعاء لآل البيت كلِّهم: فاطمة الزهراء، الحسن، الحسين، زين العابدين، الإمام الباقر، الإمام الصادق، وكلُّ مَن انتسب إلى هذا البيت الطاهر بنسبٍ أو ولاء. اجعل ذكره عنواناً تَدخل به على ذكرهم جميعاً.

ثالثاً — اربط بين الإمام علي والإمام الحسين عليهما السلام: الأبُ فدى النبيَّ ﷺ بنفسه ليلة الهجرة، والابنُ فدى أمَّة جدِّه بنفسه يوم كربلاء. هذا خطٌّ واحد من الفداء في سبيل الله، مَن دعا للأب صَحِبَ خطَّ الفداء كلَّه.

رابعاً — احذر من إفراط الشيعة في تعظيمه، واحذر كذلك من تفريط بعض الناس في فضله. السنَّة هي محبَّة عليٍّ على ما هو عليه من الإمامة الراشدة، دون غلوٍّ ولا جفاء. حين تدعو له، استحضر هذا التوازن، فهو من فقه الولاء والبراء الحقيقي.

خامساً وأهمها — اسأل الله أن يجعلك من الذين يُحبُّهم اللهُ ورسولُه كما أحبَّ الإمام علي. هذه أعظم منزلةٍ يَنالها المؤمن — أن يكون محلَّ محبَّةٍ خاصَّةٍ من الله ورسوله. هذا هو المقصد الأسمى من ورد الرابطة: أن نَلْحق بسلسلة المحبوبين من الأنبياء والشهداء والصدِّيقين والصالحين.

⁕ ذَوقٌ ⁕ أَدَبٌ ⁕ مُرُوءَة ⁕

❀ مَجمَعُ الذوق السليم والحسِّ المرهف ❀

كل سيرةٍ صدقت لله أنبتَتْ في صاحبها صفاتٍ نفسيةً عميقة تَتَجاوزُ الأخبار إلى التَّمثُّل اليومي. وها هي أبرز صفات الذوق السليم التي نَستخرجها من حياة الإمام علي رضي الله عنه لنُسائلَ بها قلوبَنا في الصباح والمساء.

الفطرةُ السليمة في فهم العبادة

المَأخَذ من السيرة: لمَّا دُعي إلى الإسلام وهو ابنُ عشر سنين، قال أوَّلَ ما قال: «حتى أُكلِّم أبا طالب». ثم رجع وقد ألقى الله في قلبه: «إن الله خَلَقَني ولم يَستأمِر في خَلقي أبا طالب، فلِمَ أَستأمِره في عبادة الله؟».
الذوق السليم يَجعل صاحبَه يَفهَم الأمور من جذورها لا من فروعها. الصبيُّ ذو العشر سنين تجاوز معضلةَ الفقهاء بفطرته السليمة. اعتد على إعمال فطرتك في كل حُكمٍ يَعرض عليك: مَن خَلَقَني له الحَقُّ في عبادتي، ومَن لم يَخلُقني لا يَستحقُّ عليَّ حقَّ المُتَصَرِّف. الفطرة السليمة هي أوَّل علامات الذوق.

الإيثارُ بالنفس قبل المال

المَأخَذ من السيرة: ليلة الهجرة، اختاره النبيُّ ﷺ ليبيت على فراشه ويُعرِّض رقبتَه لسيوف قريش. وافق دون نقاش، ودون شرط، ودون أن يُذكِّر النبيَّ ﷺ بالقرابة أو السبق. نام في الفراش وهو يَعلم أن السيوف على الباب.
الإيثار بالمال سهلٌ نسبيًّا. الإيثار بالنفس هو قمَّة الذوق. أهلُ الذوق يَفدُون أحبَّاءهم بأنفسهم في تفاصيل صغيرة قبل أن يَأتي اختبار النفس الأكبر: يَتركون لهم آخرَ كأسٍ من الماء، يَختارون لهم أَطيبَ المقاعد، يَتنازلون لهم عن المكان والوقت. كُن آخرَ مَن يَأخذ نصيبَه من خيرات الحياة — إن جاءتك الفرصةُ الكبرى، تكون قد تدرَّبتَ على الإيثار في الصغرى.

الزُّهدُ في زمن الإمكان

المَأخَذ من السيرة: صار خليفةَ المسلمين، وفي يده بيتُ مالٍ يَفيض، وأهلُه يأكلون الخبزَ غير الملتوت بالسَّمن. كان راتبه من بيت المال أربعةَ دراهم فقط. ولمَّا قُتل، لم يَترك من الدنيا إلا سبعمئة درهم ادَّخرها ليَشتري بها خادماً لأهله — وعمَّم بقيَّةَ ثروته في المسلمين.
الزُّهدُ ذوقٌ، وليس ادِّعاءً. الزاهد الحقُّ يَتركُ الفُضول في وقت السَّعَة لا في وقت الضَّنك. حين يَأتيك المال أو السلطة أو الفرصة، اسأل نفسك: هل أحتاج هذا فعلاً، أم تُريده نفسي تَزَيُّناً؟ أهل الذوق يُمَيِّزون بين الحاجة والشهوة، فيَأخذون قَدرَ الحاجة ويَتركون الباقي لِغيرهم. المُلكُ الحقيقي أن لا تَتعلَّق نفسُك بشيءٍ ما.

الشجاعةُ بلا كِبر

المَأخَذ من السيرة: هو الذي قتل مَرحَباً اليهوديَّ يومَ خيبر، وحَمَلَ راية الفتح يوم الفتوحات. ومع ذلك، حين كانت تَدعوه قديمةٌ بـ«أبا تراب» (من قصَّة استَلقاؤه على التراب في المسجد)، كان أحبَّ ألقابه إليه. لم يَتلقَّب بـ«أبي السيف» أو «أبي الفتوح»، بل بـ«أبي التراب».
الشجاعةُ الحقيقية لا تَحتاج إلى مَهرَجان. الذوق السليم يَجعل صاحبَه يَفعل الأمور العظيمة دون أن يَستعرضها. أهل الكِبر يُضخِّمون الصغير، وأهل الذوق يُصغِّرون العظيم. اقترن في حياتك الأفعال الكبرى بألقاب صغيرة — هذا هو طريق المخلصين الذين قال الله فيهم: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾.

العدل مع الخصوم في وقت السلطة

المَأخَذ من السيرة: في خلافته، تَخاصم مع يهوديٍّ في درعٍ ضائعة عند القاضي شُريح. وقف عليٌّ أمير المؤمنين أمام القاضي على قَدَم المساواة مع اليهودي، فلمَّا حَكَم القاضي للخصم لأن عليًّا لم يأتِ بشاهدٍ، قَبِل الحُكم. فأسلم اليهوديُّ من جمال هذا العدل.
الذوق السليم يَجعل صاحبَه يَنزل في الحقِّ مع خصمه ولو كان دونه في المنزلة. مَن استَعمل سُلطته ليَنتصِف من خَصمه، أو ليَختصِر مسارات القضاء، أو ليَستعجل ما لا يَستحقُّه — فقد قَتَلَ ذوقَه وقَتَل شجاعتَه معاً. اِنزِل في الحقِّ مع الضعيف، ولو خَسِرتَ ظاهراً، فإنك تَكسب نفسَك وقد تَكسب الخصم نفسَه.

سَعَةُ القلب لمن جَهِلَ المنزلةَ

المَأخَذ من السيرة: رغم سَبْقه ومنزلته، كان أوَّلَ من بايع أبا بكرٍ الصديق رضي الله عنه بعد ما توقَّف قليلاً، وأَعلنها على رؤوس الأشهاد. ولمَّا تأمَّر عليه عمر، صلَّى خلفه. ولمَّا تأمَّر عليه عثمان، خَدَمه ودافع عنه يوم الدار حتى أرسل ابنَه الحسنَ ليَحرسه.
الذوق السليم يَجعل صاحبَه يَخدم مَن دونه في السبق، إذا تقدَّم بالتقوى. لا يُذَكِّره بسبقه، ولا يُحرجه بمنزلته، ولا يَتَعالى عليه. أهل الذوق يَطْوُون مَنزلتهم في حضرة المتقدِّم بالخير، فيكسبون به الأخوَّة، ويَحفظون به الأمَّة. إذا تَقدَّم عليك في موقعٍ مَن هو دونك في السبق، فاخدمه ولا تُعَيِّره.
⬥ الخلاصة ⬥

يُربِّيك الإمام علي رضي الله عنه على أن الفُتُوَّةَ الحقيقية ليست في القوَّة، وإنما في تربية النفس: في فطرةٍ صافية تَفهم العبادة من جذورها، وفي إيثارٍ بالنفس قبل المال، وفي زهدٍ في وقت السَّعَة، وفي شجاعةٍ بلا كِبر، وفي عَدلٍ مع الخصم، وفي خِدمةٍ لمن دُونَك في السَّبق إذا تَقدَّم في الموقع. قبل أن تَطلب مَنصب علي، اطلب أوَّلاً ذوقَ علي — فإن المنصب أُعطيَ لمن لم يَطلبه، وانتُزع ممَّن طَلَبه.