هي أوّلُ مَن آمن بالنبي ﷺ على الإطلاق، من رجال أو نساء، لم يسبقها إلى الإيمان أحدٌ من البشر. بها افتُتحت سلسلة الإيمان التي تصل إلينا اليوم، فهي الحلقة الأولى في رابطة المؤمنين، وكلُّ مَن آمن بعدها له في صحيفتها نصيب. آزرت رسولَ الله ﷺ بنفسها ومالها وجاهها، وثبَّتته يوم اضطرب الأمر، فاستحقَّت من الله بشارةً ببيتٍ في الجنة من قصبٍ لا صخَب فيه ولا نَصَب.
قبل الدخول في موقعها من السيرة وفضائلها، إليك أبرز معالم شخصيتها رضي الله عنها في جدولٍ موجز:
| الاسم الكامل | خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قُصَيّ القرشية الأسدية. تلتقي مع النبي ﷺ في الجدِّ الرابع قُصَيّ بن كلاب. |
|---|---|
| الكنية واللقب | أمُّ المؤمنين — وتُلقَّب بـ«الطاهرة» في الجاهلية لعفتها، وبـ«الكبرى» تمييزاً لها من بين أمهات المؤمنين باعتبارها أولاهنَّ زواجاً وأشرفهنَّ منزلةً عند رسول الله ﷺ. |
| الميلاد والنشأة | وُلدت بمكة المكرمة قبل عام الفيل بنحو خمس عشرة سنة، ونشأت في بيتٍ من أشراف قريش، فكانت «امرأةً تاجرةً ذات شرفٍ ومالٍ»، تستأجر الرجال في مالها وتضاربهم بشيءٍ تجعله لهم. |
| الزواج بالنبي ﷺ | تزوَّجها رسول الله ﷺ وهو ابنُ خمسٍ وعشرين سنة، وهي يومئذٍ تكبره بنحو خمس عشرة سنة. وأصدقها عشرين بَكْرة. ولم يتزوَّج عليها رسول الله ﷺ غيرَها حتى ماتت — وهذا من أبلغ ما يدلُّ على عظيم منزلتها عنده. |
| أولادها من النبي ﷺ | وَلَدت لرسول الله ﷺ كلَّ ولده إلا إبراهيم: القاسم (وبه كان يُكنَّى)، والطيِّب، والطاهر، وزينب، ورُقيَّة، وأم كلثوم، وفاطمة الزهراء. أما الذكور فهلكوا في الجاهلية صغاراً، وأما البنات فأدركنَ الإسلام فأسلمنَ وهاجرنَ معه ﷺ. |
| السبق في الإيمان | أوّلُ مَن آمن بالنبي ﷺ على الإطلاق من الرجال والنساء، فآمنت به وصدَّقت بما جاءه من الله، وآزَرَتْه على أمره. قال ابن إسحاق: «وكانت أوّلَ من آمن بالله وبرسوله، وصدَّق بما جاء منه». |
| أبرز ألقابها الشرعية | أمُّ المؤمنين — الصِّدِّيقة الأولى — صاحبةُ بيت القصب في الجنة — خيرُ نساء عالمها (مع مريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم وفاطمة بنت محمد). |
| الوفاة | تُوفِّيت بمكة المكرمة قبل الهجرة بثلاث سنين، في عام الحزن الذي مات فيه أبو طالب أيضاً، فحَزِن عليها رسول الله ﷺ حزناً شديداً، وظلَّ يذكرها ويُثني عليها حتى بعد سنواتٍ من وفاتها. |
| موقعها في الدعاء | هي الحلقة الأولى في رابطة الإيمان: مَن دعا لها فقد دعا لأوّل من قال «لا إله إلا الله» مع رسول الله ﷺ، فترجع إليه دعوتها بمثل ما لها من سَبْقٍ، وذلك أعظم البركة. |
حين نُرتِّب رجال الدعوة على ترتيب السيرة، فإن السيدة خديجة رضي الله عنها تأتي في أوّل موضع بعد رسول الله ﷺ نفسه، لأنها تُمثِّل البدايةَ الإيمانية كلها:
السيرة النبوية تنقسم — كما هو معلوم — إلى مراحل متتابعة: إرهاصات النبوة، ثم المبعث، ثم الدعوة السرية (ثلاث سنوات في مكة)، ثم الدعوة الجهرية، فـالهجرة إلى الحبشة، فـالهجرة إلى المدينة، فالغزوات والفتوح. والسيدة خديجة رضي الله عنها حاضرةٌ من بداية المبعث إلى أواخر مرحلة الجهر بالدعوة، فقد أدركت ابتداء الوحي ومآسي الحصار في شِعب أبي طالب، وتُوفِّيت قبل الهجرة بثلاث سنين. فهي إذاً صاحبةُ المرحلة المكية كلِّها تقريباً إلى جانب رسول الله ﷺ.
حياة السيدة خديجة مع النبي ﷺ مرَّت بأربع محطّات كبرى، كلُّ محطّةٍ منها تُجلِّي وجهاً من وجوه عظيم سَبْقها وفضلها:
كانت السيدة خديجة «امرأةً حازمةً شريفةً لبيبة»، تستأجر الرجال في تجارتها، فلمَّا بلغها عن النبي ﷺ — وهو شاب لم يُبعث بعدُ — ما بَلَغها من صدق حديثه وعظيم أمانته وكرم أخلاقه، بعثت إليه فعرضت عليه أن يخرج تاجراً في مالها، فقَبِل، ورجع بربحٍ مضاعَف. ثم حدَّثها غلامُها ميسرة بما رأى من إظلال الملَكين له في الطريق، وما قاله الراهب فيه: «ما نزل تحت هذه الشجرة قطُّ إلا نبيٌّ».
فبادرت — وهي سيِّدة قريش نَسَباً وأكثرهنَّ مالاً، يحرص رجال قومها على نكاحها — فعرضت عليه نفسها بنبل أخلاقها: «إني قد رَغِبتُ فيك لقرابتك، وسِطَتك في قومك، وأمانتك، وحُسن خُلُقك، وصدق حديثك». وفي هذا الموقف سَبْقٌ في معرفة قَدْره ﷺ قبل أن يُبعث.
لما فاجأ النبيَّ ﷺ الوحيُ أوَّلَ مرة في غار حراء، رجع يرجف فؤاده، يقول: «زمِّلوني زمِّلوني»، فلمَّا أخبرها الخبر، وقال لها: «لقد خشيتُ على نفسي»، أجابته رضي الله عنها بكلماتها التاريخية الخالدة:
ثم انطلقت به إلى ابن عمِّها ورقة بن نوفل — العالم النصراني الذي كان يقرأ من الكتاب العبراني — فقال: «قُدُّوسٌ قُدُّوسٌ، والذي نفسي بيده لئن كنتِ صدقتيني يا خديجة، لقد جاءه الناموسُ الأكبر الذي كان يأتي موسى، وإنه لَنبيُّ هذه الأمة». فكانت رضي الله عنها أوَّلَ من شخَّصَت الموقفَ تشخيصاً صحيحاً: ليست مسَّة جنون كما خشي ﷺ، بل وحيٌ ونبوَّة. وبهذا استحقَّت أن تكون وزيرته في تلقِّي الرسالة.
قال ابن إسحاق رحمه الله — كما في «السيرة النبوية» لابن هشام —: «وآمنت به خديجة بنت خويلد، وصدَّقت بما جاءه من الله، وآزَرَتْه على أمره، وكانت أوَّلَ من آمن بالله وبرسوله، وصدَّق بما جاء منه. فخفَّف الله بذلك عن نبيه ﷺ». ولما اشتدَّ عليه الأذى من قريش كانت ترجعه سكينةً إلى بيته: لا يسمع شيئاً مما يكره من ردٍّ عليه أو تكذيبٍ له، فيحزنه ذلك، إلا فرَّج الله عنه بها إذا رجع إليها، تُثبِّته وتُصدِّقه وتُهوِّن عليه أمر الناس.
لما حاصرت قريشٌ بني هاشم وبني المطلب في شِعب أبي طالب ثلاث سنين، وكتبت صحيفتها الجائرة، كانت السيدة خديجة قد أنفقت كلَّ مالها في خدمة الدعوة، حتى إنها لمَّا خرجت من الشِّعب كانت قد بَذَلت ثروتها العظيمة كلَّها في سبيل الله ورسوله، فأكلوا أوراقَ الشجر من الجوع. ثم ما لبثت أن تُوفيت — قبل الهجرة بثلاث سنين تقريباً — فكان موتها المصاب الأعظم على رسول الله ﷺ بعد فقد عمِّه أبي طالب في العام نفسه، ولذلك سُمِّي ذلك العام بـ«عام الحزن».
حتى يفهم الداعي عَظَمَة موقع السيدة خديجة في رابطة الإيمان، ينبغي أن يستحضر هذه السلسلة المنطقية المستفادة من حديث النبي ﷺ: «ما من عبدٍ يدعو للمؤمنين والمؤمنات إلا ردَّ الله عليه من كل مؤمنٍ ومؤمنة، مضى أو هو كائنٌ إلى يوم القيامة، بمثل دعائه»:
المقال التأصيلي لدعاء الرابطة عرض خمس فضائل لهذا الورد العظيم. ولكلِّ فضيلةٍ منها تطبيقٌ ظاهر في حقِّ السيدة خديجة رضي الله عنها:
هي أعظم وَلاية في الله في تاريخ الأمة بعد ولاية النبي ﷺ نفسه: زوجٌ آمنت بزوجها قبل أن يدعوها — رأت فيه ما يستحق التصديق قبل أن يأتيها بدليل. «وآزَرَتْه على أمره» — كلمة الإمام ابن إسحاق التي تختصر معنى الولاية الحقيقية.
دعاءُ الداعي لها مستجابٌ بشرف منزلتها عند الله — وقد بشَّرها النبي ﷺ ببيتٍ في الجنة. والملَكُ يردُّ الدعاء على الداعي «بمثله»، أي يدعو له ببيتٍ من قصب، وبسكينةٍ بلا صَخَبٍ ولا نَصَب. أيُّ ربحٍ أعظم من هذا؟
الدعاء لها يفتح للداعي صحيفة أوّل مؤمنةٍ في الإسلام — وكلُّ من جاء بعدها من المؤمنين له صلة بها بسَبْقها، فالدعاء لها يُلامس منبع الإيمان كلِّه.
الدعاء لها يَنْفي عن الداعي دناءة الهمّة — فهو يدعو لمن لا يحتاج دعاءه أصلاً (لأنها في أعلى عِلِّيين)، فيتعلَّم بذلك معنى الإيثار في الدعاء، ومعنى تذكُّر الفضل لأهله.
قال ابن القيم في «الروح»: «والخلق عيال الله، فأحبُّهم إليه أنفعُهم لعياله... فأحبُّ الخلق إلى الله من ينفع عياله». والسيدة خديجة رضي الله عنها نفعت عيال الله أكثر من نفع كثيرٍ من الرجال — أنفقت ثروتها كلَّها في سبيل الله، وآوَت رسولَ الله ﷺ في أحرج اللحظات، فأين الداعي عنها وعن دعائها؟ الدعاء لها وفاءٌ لجميلٍ سَبَقها على كلِّ مسلم.
من أبلغ ما يدلُّ على عظيم منزلة السيدة خديجة عند رسول الله ﷺ: استمرارُ ذكره لها وثنائه عليها حتى بعد سنوات من وفاتها، حتى غارت السيدة عائشة رضي الله عنها كما هو معروف:
قال الحافظ ابن حجر في «فتح الباري»: المراد أن السيدة خديجة خيرُ نساء أمَّتها كما أن مريم خيرُ نساء أمَّتها. وفي رواية: «أفضلُ نساء أهل الجنة»: مريم، وخديجة، وفاطمة، وآسية». فهي إذاً إحدى نساء العالمين الأربع المُفَضَّلات، وهذا منصب لا يَبلُغه إلا مَن سَبَق بالإيمان وثَبَت عليه وبَذَل في سبيله.
أوّلاً — لا تَمُرَّ على اسم السيدة خديجة مرورَ العادة. استحضر قبل الدعاء لها وحشةَ النبي ﷺ يوم الوحي، وكيف ثبَّتته بكلماتها، ثم ادعُ لها بإحساس مَن يَعلم أنها ثبَّتت الدعوة قبل أن تَثْبُت في الناس.
ثانياً — اربط في وِجدانك بين السيدة خديجة ووزيرات الدعوة في كل عصر — كلُّ امرأةٍ تخدم زوجها الداعي، وتصبر على الأذى معه، وتُنفق من مالها في سبيل الله: لها في صحيفة السيدة خديجة نصيب، فادعُ لها أيضاً.
ثالثاً — تذكَّر أن الدعاء للسيدة خديجة يفتح أبواب الدعاء للسابقات الأُوَل من النساء: سُمَيّة بنت خَيّاط (أوّل شهيدة في الإسلام)، وأم الفضل لُبابة (أوّل من أسلمت بعد خديجة)، وفاطمة بنت الخطّاب (سببُ إسلام عمر)... فاجعل ذكرَها بوّابةً لذكرِهنَّ.
رابعاً — حين تُصلِّي على النبي ﷺ في أوَّل دعائك، استحضر أنَّ السيدة خديجة أمُّ ذرِّيَّته الباقية، فإن السيدة فاطمة الزهراء ابنتُها، ومن فاطمة الحسنُ والحسين، ومنهما سادةُ آل البيت كلُّهم. فالصلاةُ على آل النبي ﷺ مُتَّصلةٌ بصُلب فضلها — ادعُ لها بنية أنك تدعو لمن أسَّست بيتَ النبوّة.
خامساً وأهمها — لا تَنْسَ أن تَسأل الله أن يجعلك من الذين تَفْرَح السيدة خديجة بإسلامهم يوم القيامة. فإن النبي ﷺ سيشهد لها بأولئك الذين دَخَل الإيمانُ قلوبَهم متَّصلاً بسَبْقها. كُن منهم.